متابعة ما يدور من أحداث في العراق والتمعن في التصريحات المسؤولة وغير المسؤولة التي تتصاعد هنا وهناك تصيب المرء بالخوف إن لم يكن بالهلع لجسامة ما يمكن أن يتمخض عنها إن بقيت مقاليد الحل والربط بالأيدي نفسها التي أوصلت العراق إلى ما وصل إليه وإن بقيت الأزمات القائمة دون حلول ناجعة. ف
الوضع في هذا البلد قد أصبح على درجة كبيرة من التأزم والخطورة وأصبح أكثر قرباً لتلبية استحقاقات خطيرة عديدة أبرزها البرهان على قدرة العراقيين على الحفاظ على بلدهم كدولة موحدة لكل العراقيين، دولة لديها الإرادة والقدرة على تجنب الاحتراب الداخلي بعد أن بدأ الخراب ينخر في هيكلها الذي أصبح هشاً للغاية.
العلاقات بين القوى الرئيسية المشاركة في العملية السياسية قد وصلت منذ انسحاب القوات الأميركية نهاية عام 2011 حداً من التدهور يصعب تلافي تداعياته، فالتصريحات النارية المتشنجة لم يعد يتداولها سياسيو الخط الثاني مما يسمح للقادة التنصل من المسؤولية إزاءها، بل أسهم فيها القادة أنفسهم مما يجعل عملية إصلاح ذات البين غير ممكنة.
الموضوع لم يعد يتعلق بإرضاء هذا القيادي أو ذاك بمنحه بعض الصلاحيات أو بمهادنته مرحلياً بجملة من الوعود، فهذه القيادات قد فصلت نفسها بخيارها عن الجمهور الحقيقي صاحب القرار الذي أوصلها للمواقع التي هي فيه، بل تعدى ذلك ليصبح قضية مواجهة بين رئيس الوزراء الذي يلتحف بستارة دولة القانون لإخفاء الهوية الحقيقية للحزب الحاكم وبين الطرفين الرئيسيين في العملية السياسية اللذين يتهمانه بانتهاج سياسة تهميش الآخرين والسعي لإعادة بناء نظام ديكتاتوري فردي.
والحقيقة أن العلاقة المتشنجة بين هذه الأطراف قد اهتزت خلال السنة الماضية مرات عديدة إلا أن هناك من أبقاها في حالة اللا تداعي، فهناك أطراف عديدة لها مصلحة في ذلك وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لا تريد أن تشهد فشل العملية السياسية التي صنعتها، كما أن إبقاءها في هذه الحالة ليس بعيداً عن خيار الشركاء أنفسهم الذين يخشون فقدان ما يتمتعون به حالياً من امتيازات أو عدم قدرتهم على اتخاذ قرار الحسم النهائي بدافع التخوف من المسارات غير المتوقعة لعملية التداعي أو بفعل تأثيرات لقوى خارجية من الصعب الحديث عن غيابها عن الساحة العراقية.
فوزراء ائتلاف العراقية لم يستقيلوا من الحكومة التي يتحدون رئيسها عندما تسنح فرصة لذلك رغم تهديداتهم بذلك مرات ومرات، كما أن التيار الصدري لم يغادر التحالف الوطني الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء رغم أنه لم يعد يتفق مع سياسات الحكومة المنبثقة عن هذا التحالف.
هذه الحالة المتشنجة التي تمتلك كل مقومات الذهاب إلى التداعي التام لم يعد من الممكن الإبقاء عليها لأن مفاتيح ذلك لم تعد بالكامل بأيادي النخب السياسية الحاكمة بعد أن انتشرت حالات التمرد والعصيان والتظاهرات الاحتجاجية في مناطق عديدة من العراق منذ ما يزيد على الشهر سقط فيها أخيراً عدد من القتلى والجرحى.
وفتحت بذلك جبهات صراع خارج البرلمان بعيداً عن اللعبة السياسية الجارية. إن أزمة الحكومة مع إقليم كردستان ليست هي الأخطر على السلم المجتمعي في العراق، وذلك لأنه ليس من المتوقع أن يكون لها تداعيات إقليمية كبيرة بعد أن اكتسب إقليم كردستان الكثير من شرعية الوجود شبه المستقل في المنطقة.
وهذه الأزمة في أسوأ سيناريوهات تداعياتها لن تقود سوى إلى مناوشات محدودة حول تبعية المناطق المتنازع عليها يجري اللجوء خلالها أو بعد توقفها إلى التحكيم الدولي حول عائدية هذه المناطق. فهناك قناعة لدى معظم أطراف العملية السياسية تولدت نتيجة التجربة الطويلة بأن الكورد من حقهم بناء الدولة الخاصة بهم إذا كان ذلك خيارهم. إلا أن القضية الأكثر خطورة هي الاصطفافات المذهبية التي سرعان ما تلجأ إليها القوى السياسية في الوسط والجنوب بين الحين والآخر لتثبت وجودها أو لاستثمار تفوقها حينما تكون في حاجة إلى حسم أمر ما.
فالحكومة وخلفها دولة القانون وإلى حد ما الحاضن الكبير لهما، التحالف الوطني، لا يعتبرون اندلاع الحركات الاحتجاجية في عدد من المحافظات ذات اللون المذهبي الواحد مجرد مطالب مهنية ومعيشية وإنما حركة احتجاج سياسي منظم ذا طابع سياسي يستهدف الجانب الأمني الذي يتعلق بوجودها الفكري والسياسي. وغني عن البيان ما لنظرة كهذه من خطورة في توجيه طبيعة الصراع مع هذه الحركات الاحتجاجية والقرارات التي تتخذ لمواجهتها.
ومع أن الشعارات المطروحة في مناطق الاحتجاج لم تتطرق إلى ما يمس وحدة العراق إذ لم ترفع شعارات تطالب بإنشاء الأقاليم في مناطقها وهي ميزة مهمة تفوقت بها الجماهير على العديد من قياداتها التي رفعت هذا الشعار أكثر من مرة في الماضي، إلا أنه في ضوء استمرار الحكومة في التسويف وتجاهل مطالب الجماهير المشروعة ليس من المستبعد أن تعود هذه الشعارات إلى الواجهة وتكتسب زخماً جماهيرياً كبيراً.
رئيس الحكومة المالكي في موقف لا يحسد عليه، فهو إذ يواجه عواصف شديدة من اتجاهات متعددة يجد نفسه خاسراً في معركة أخرى تستهدف إزاحته من منصبه، فقد صوت مجلس النواب على تحديد ولايات الرئاسات الثلاث بدورتين فقط مما يقطع الطريق عليه لإعادة تبوء منصبه بعد الانتخابات المقبلة، كما يخطط لذلك، ما لم يسعفه مجلس القضاء الأعلى من خلال قرار تصدره المحكمة الاتحادية تعتبر فيه تصويت البرلمان غير دستوري وهو على أية حال ليس بالأمر المستبعد.
وفي الوقت الذي تنحدر فيه الأوضاع في العراق بسرعة نحو هاوية لا قرار لها بشكل يثير أشد القلق ويصيب باليأس والإحباط أشد من كان متفائلاً بمستقبل ديمقراطي وردي في العراق، ويكثر في سياقها الحديث عن تقسيم البلد كاستحقاق قد لا يكون هناك بد منه، هناك سؤال يطرح نفسه رغم ما في طرحه من مرارة شديدة لأنه يحمل بذور التشكيك بالهوية الوطنية العراقية: هل سيتمكن العراقيون من إنقاذ بلدهم من التشرذم وإنقاذ شعبهم من ويلات احتراب مر يحمل كل قيح التأريخ.