إن الإحباط يتسلل إلى نفوس الشعوب كما يتسلل فيروس مرض خبيث، يحمله الجسم ويظل يقاومه لفترة متشبثا بالرغبة في الحياة ويقاوم من أجلها، وعندما تضعف قدرة المقاومة عند غياب الأمل، لا تجد لهذا الفيروس مثيلا في التوحش وفي سرعة الانتشار وقوة الفتك وتأبّيه عن مغادرة الجسم دون تدمير خلاياه، والأهم من ذلك أنك لا تعرف وجهته المقبلة ولا أي أجهزة الجسم سيهاجم. ولأن المسكنات لا تصلح في مقاومته، فلا يترك الجسم إلا عندما ينهار ويوشك على الموت، والسبيل الوحيد للشفاء منه، هو البناء الداخلي والقوة النفسية والأمل في غد أفضل.

وفي تقديري أن جانبا كبيرا من أسباب هياج الشارع في البلدان التي سارت في طريق بدأته، ولكن لا تعرف كيف تنهيه، يعود إلى أن هذه الشعوب أدار ساستها الأوطان بتكريس الإحباط، وأنه ليس هناك أفضل مما هم عليه، وعليهم ألا ينظروا أكثر من مرمى حجر، والأفضل ألا يفعلوا لأنه لن يتغير شيء في واقعهم أو مجريات حياتهم، وأن الحفاظ على ما هم فيه رغم قسوته، يعد هو الإنجاز الأكبر.

إن إشاعة هذا المناخ من التيئيس والإحباط، أقسى على الشعوب من كل أدوات القمع والقهر، بل هو إحدى أدوات القهر الناعمة التي تفقد الإنسان ثقته في نفسه وأمله في غده، وتجعله عاجزا غير قادر على الفكر أو الحركة، فتتكلس أفكاره وتنعدم إرادته.

في يقيني أن الشعوب قد تتحمل شظف العيش وقسوة الحياة وشح الموارد، وتتعامل مع كل ذلك أملا في غد أفضل من خلال قيادة تستطيع أن تحلم مع شعبها بيوم جديد تهب لهم فيه الحياة واقعا مختلفا، وهل واقع اليوم غير أحلام الأمس؟ والقيادة غير القادرة على الحلم، تفقد الكثير من قدرتها على تحقيق طموح شعبها وتميز وطنها.

الحق أن هذه الأفكار جالت في خاطري وأنا أشاهد هذا الارتباك والتناحر والتطاحن والتجاذب والتشابك والاستقطاب، وكل ما شئت من كل الكلمات الدالة على الصدام بين أبناء الوطن في بلاد ما يسمى الربيع العربي الواحد، ثم ذهبت إلى سيرة بناء اتحاد دولتنا ونهج قيادتها الذي يمكن تلخيصه في جملة واحدة وهي "التبشير بغد أفضل"، منذ أن كانت فكرة في خيال المؤسسين. ومن يراقب ويحلل ما تقوم به قيادتنا، يجد أن العنوان الأكبر لنهجه هو بث الثقة في نفوس أبناء الوطن، وقدرتهم على التصدي لأصعب التحديات واجتياز أصعب المحن.

وهنا أود أن أقول إن الدارس لتحليل مضمون أحاديث وتغريدات ومقابلات قيادتنا سيكتشف، بدون أدنى شك، أن السمة الغالبة عليها هي الثقة الشديدة في قدرات أبناء الوطن، والدفع بهم لتحمل المسؤولية وإشاعة روح التفاؤل لتخطي الأزمات، وأن المستحيل لا يوجد إلا في خيال العجزة وعديمي الإرادة، وهو التكأة التي يركن إليها كل متردد، كما أن سفينة الوطن لا مكان فيها للمرتجفين والمترددين، وأنه على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وأن أصحاب الهمم الكبيرة يرون الصعاب مهما تعاظمت، ميداناً لصقل همم الرجل وتمايزهم، كالنار التي تصهر الذهب فينقى من الشوائب ليصبح أنقى عنصراً وأعلى قيمة.

ورغم أن العالم تعرض لأزمات اقتصادية عنيفة هزت أركان أكبر الكيانات العالمية، وما زالت لم تتعاف من تبعاتها بعد، إلا أن دبي وقفت صامدة برباطة جأش قيادة استطاعت أن توجه دفة سفينتها بين أمواج متلاطمة دون أن يفت ذلك في عضدها، وكان هذا ولم يزل مثار دهشة المحللين والمراقبين إقليميا ودوليا.

والقيادة بزرع الثقة في النفس وإشاعة القدرة على مواجهة التحديات، هي أكبر ضمان لقوة الأوطان، وهي السبيل الأمثل لاستنهاض الهمم وتعبئة النفوس واستخراج أفضل ما في المواطن لخدمة وطنه، بل وأكثر من ذلك فإن الطاقات الإضافية داخل كل فرد، يقول عنها علماء النفس إنها أضعاف الطاقة الطبيعية له في الظروف العادية.

ولا شك أن القيادة بزرع الثقة والقدرة على الفعل أصعب بكثير من تكريس الإحباط، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، لأنها تتطلب القيام بعمل حقيقي على أرض الواقع، يستشعر المواطن نتائجه ويستفيد منها، كما أنه يتطلب دائما طرح المبادرات واقتناص الفرص وقراءة الواقع واستشراف المستقبل، إضافة إلى وجود آليات تترجم تلك الحالة إلى خطة عمل يمكن اتباعها لنصل في النهاية إلى نقطة الوصول، وهي في الوقت ذاته نقطة انطلاق لمسيرة جديدة أكثر صعوبة تحتاج إلى الجهد والعرق، وكما تؤكد القيادة دائما "إن طريق التميز ليس له خط نهاية".

لذا كان من الطبيعي وفقا لهذا النهج، أن يصبح لدوائرنا الحكومية ومؤسساتنا الرسمية، بمختلف تخصصاتها، أزيز يشبه أزيز النحل في خلاياه، للعمل المستمر والتنافس في ما بينهم، في وطن أصبح التميز فيه منهاج حياة وظاهرة طبيعية، وبات من غير الطبيعي ألا تكون باحثا عن التميز أو مساندا له أو داعيا إليه أو مشاركا فيه أو مكافئا له وشاكرا لأصحابه، وكلما طفت بين الفضائيات العربية أو تقابلنا مع المعنيين بهموم أوطانهم، أجد أن الإمارات العربية في جوانب عدة، باتت النموذج الذي يدعو كل غيور على وطنه إلى محاكاته.

ولا شك أن ما حققه شباب الإمارات من إنجاز الفوز بكأس الخليج في نسختها الحادية والعشرين، هو عنوان لحالة عامة لا تقتصر على المنافسات الرياضية، ويأتي متسقا مع نهج القيادة في الثقة بأبناء الوطن وغرس الأمل في نفوسهم ثم القدرة على النجاح.

وما هذا المنتخب إلا نتاج رؤية وإدارة وطنية خالصة، ومؤشر لمرحلة مقبلة يتحمل فيها كل مواطن مسؤوليته كاملة تجاه وطنه. وفي يقيني أن ما حققه منتخبنا الوطني سيجعل الكثير من المنتخبات الوطنية تعيد حساباتها في الاستعانة بالكفاءات من أبنائها، ليس في مجال الرياضة فحسب، بل في مجالات عدة، كما أنه إحدى ثمرات نهج القيادة بغرس الأمل والثقة بالنفس، والقدرة على تحقيق الإنجاز في زمن تحكم فيه شعوب عبر تكريس الإحباط.