بعد مرور عشر سنوات على سقوط النظام السابق، لم يصبح العراق أبعد عن هاوية الضياع مما كان عليه يوم سقطت عاصمته في إبريل 2003، فالقوى السياسية التي استلمت الحكم منذ ذلك الحين، لا تتحمل تبعات خطاياها الكثيرة.

والتي يمكن تلخيصها في محاور عديدة تتعلق بإهمالها لمصالح الشعب، ورعايتها للفساد، وفشلها الأمني الصارخ، وعدم تمكنها من بناء جسور الثقة مع المواطنين، ومطاردتها للكفاءات، وإخفاقها الفاضح في إدارة الخدمات، وإهدارها لثروات البلد وسيادته الوطنية، أو بكلمات أخرى "إفلاسها التام" فحسب، بل تتحمل خطيئة أكبر من كل ذلك.

لقد برهنت هذه القوى على أنها غير قادرة على إعادة بناء العراق ليكون وطنا لجميع العراقيين، وذلك لعدم وجود رؤية استشرافية لذلك في أجندتها، والتي لا تتعدى حدود رؤاها الضيقة التي نسجت وفق انتماءاتها، وأصبحت بذلك عاملا أساسيا في خلق الأزمات. وما انتقال العراق من أزمة إلى أخرى أشد وأخطر، إلا تعبير عن هذا الإخفاق.

فالحزب الحاكم قد دخل في معركة كسر العظم مع إقليم كردستان من جهة، ومع الجماهير الغاضبة والمنتفضة في عدد من المحافظات بسبب سياسات التهميش والإقصاء وفقدان الأمل في تحسن الأوضاع، من جهة أخرى.

ومع تردي الوضع الداخلي، يتزايد قلق القوى التي لم تسمح لها أوضاع العراق بأن تكون صانعة للقرار أو مساهمة في صنعه، وهو قلق مشروع ليس بسبب تفاقم حجم الحرائق التي بدأت تندلع بفعل الأزمات المفتعلة، بل لعدم وجود طريق واضح للخروج السليم منها، لتضارب النوايا والأهداف،.

وبسبب تدخلات إقليمية على درجة كبيرة من القدرة على التأثير في المعادلة السياسية في العراق، عبر وسائل شتى في منتهى التعقيد، تتداخل فيها العقيدة الدينية والمذهبية والمصالح السياسية، والمنافع الشخصية والولاءات المحسومة لغير صالح العراق. وقد لا نجانب الصواب حين نقول إن العراق لم يمر في كل تاريخه بمرحلة خطرة تهدد سلمه المجتمعي وبالتالي تهدد وحدته، كما هي المرحلة التي يمر بها الآن.

إن ما أوصل العراق إلى ما هو عليه الآن، يرجع في الحقيقة إلى الأيام الأولى التي أعقبت احتلاله في التاسع من إبريل عام 2003 إذ لم ينجم عن ذلك سقوط النظام السياسي الحاكم آنذاك فحسب، بل سقوط الدولة العراقية بكامل مؤسساتها، وهو أمر لا يحدث إلا في مفاصل نادرة من حياة الشعوب، حين يتعرض النظام القائم إلى تحد من نوع خطير جدا، لا يطال قياداته فقط بل يطال فكره وسيادته وهويته.

العراق الجديد الذي أعيد تشكيله، أصبح أمام مفترق طرق يبحث عن هويته، وسط ربابنة تقود سفينته بطريقة هوجاء، لا تراعي فيها احتمال الغرق في فوضى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. فقد أعيد تركيبه على أسس المحاصصة العرقية والطائفية، بطريقة تكبل أي محاولة للنهوض، وتسمح في الوقت نفسه باندلاع الأزمات وتضخمها وانفجارها.

مشكلة العراق الأساسية هي أنه منذ سقوط النظام السابق تغيرت معادلات التوازن في المنطقة بشكل كبير، وقد انعكس ذلك في جانبين رئيسيين؛ أولهما داخلي، مع بروز خلافات حادة بين القوى التي استلمت الحكم،.

وإصرار بعضها على الانفراد بصناعة قراراته وتوجهه نحو تحالفات وسياسات ليست في صالح العراق على المدى البعيد. وثانيهما خارجي، يتلخص في رفض بعض دول الجوار للمعادلة التوازنية الجديدة، والعمل على إعادة حالات التوازن إلى ما كانت عليه سابقا، بالتعاون مع قوى في الداخل العراقي.

المسؤولية عن الخطر الذي يواجه العراق، تقع بالدرجة الرئيسية على عاتق القوى التي تصنع القرار في العملية السياسية، والتي ينقصها الكثير من القدرات لتصبح مؤهلة لإدارة بلد كالعراق، يتميز بخصائص تجعل قيادته عملية صعبة ومعقدة للغاية. فتركيبته السكانية الفسيفسائية العرقية والدينية والمذهبية، التي تداخلت مع بعضها إلى حد كبير لتصنع ثقافة، لم تكن غائبة عن وعي الحركات السياسية التي زخر بها العراق، وهذا ما يجهله معظم النخب الطارئة على الساحة السياسية ولا تدرك أبعاده.

وإذا أضفنا إلى ذلك جسامة المشاكل الموروثة عن عقود من الحكم الشمولي السابق، وعقدين من الحروب أعقبتهما سنوات من أعمال العنف، التي ألحقت دمارا شبه شامل باقتصاد البلد وخللا خطيرا بتركيبته السكانية، تركت نحو مليون أرملة وأربعة ملايين يتيم، حسب الجهاز المركزي للإحصاء، لوجدنا أن المرحلة تتطلب من السياسي القيادي أن يتمتع بأفق واسع وعقلية مرنة، تتناسب مع الحاجة لبناء دولة مدنية تعمل بإخلاص على الالتزام بالدستور نصا وروحا، وتوفر حرية المعتقد والعبادة للجميع دون انحياز لطرف معين، وتعمل بشكل جاد على إيجاد حلول للمشاكل المعاشية والاجتماعية المتفاقمة.

الواقع الجديد في العراق يتسم بالفوضى، فالعملية السياسية بنيت على دستور فيه الكثير من الالتباسات، فقد كتب ثم أقر في ظروف ضغوط وابتزازات متبادلة بين الشركاء في العملية السياسية، ولكن رغم ذلك لا يجري الالتزام بحيثياته. فممارسات السلطات الثلاث أصبحت مدار حديث وطعن في الآونة الأخيرة. فالمفروض وفق الدستور ووفق الأعراف الديمقراطية، أن السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، مستقلة عن بعضها وتمارس مهامها انطلاقا من نظامها الداخلي.

ولكن ممارسات السلطة التنفيذية بدأت تتسم بسعي منظم ومدروس لتهميش السلطات الأخرى من جهة، وجعلها وسيلة شرعية لاتخاذ قرارات تعزز من سلطة الحزب الحاكم ونفوذ شخص رئيس الوزراء بالذات، من جهة أخرى، وهو ما يرقى لدى البعض إلى حد اعتباره انقلابا على الشرعية الدستورية.

وفي الوقت الذي تتراجع فيه فرص البدء بحوار ذي طبيعة إيجابية، تتعزز الرغبة نحو عكس ذلك من خلال صلابة السلطة التنفيذية، وعزمها على حسم الصراعات مرة واحدة لصالحها، عبر قلب الطاولة على الجميع وسعيها لإيجاد أسس دستورية لا وجود لها لحل المجلس النيابي، عن طريق محاولة توظيف المرجعية الدينية في النجف التي أعارتها أذنا صماء، للذهاب نحو انتخابات جديدة مؤملة نفسها بأنها بقدراتها الذاتية واعتمادا على حلفاء في الداخل والخارج، قادرة على فرض حكومة أغلبية سياسية ظاهريا، ولكن في حقيقتها حكومة حزب واحد أفرغ المؤسسات الهامة من فحواها الوطني، وحولها إلى أدوات تخدم مصالحه.

إن المرحلة المقبلة تدعو للتساؤل حول ما الذي ينتظر العراق؟ فهي تحمل الكثير من اللا يقين حول مستقبله.