آن أوان تفتيت أكبر مصارف أميركا

انتهى مؤخرا "برنامج إعانة الأصول المضطربة" سيئ الصيت، المعروف اختصارا باسم "تارب"، والذي كفل إنقاذ وول ستريت في 2008، وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنها ستكمل قريبا بيع الأسهم المتبقية، التي تملكها في المصارف وشركة جنرال موتورز.

ولكن الأمر لم ينته حقا، فبنوك وول ستريت الكبرى أصبحت أكبر مما كانت عليه قبل 4 سنوات، عندما اعتبرت أكبر من أن تفشل. وتملك أكبر خمسة مصارف 44% تقريبا من جميع ودائع المصارف الأميركية، الأمر الذي يشكل زيادة عن نسبة 37% التي تكانت قائمة قبيل الانهيار المالي. وقبل عقد من الزمن، كان لها 28%.

والمصارف الأكبر تواصل تحولها إلى أحجام أكبر، لأن بمقدورها اقتراض المزيد بشكل رخيص، مقارنة بالمصارف الأصغر. ويرجع هذا إلى أن المستثمرين يعتقدون أن الحكومة سوف تبادر إلى إنقاذها إذا تعرضت للمتاعب، بدلا من إجبارها على شكل من أشكال الإفلاس (على نحو ما يجعله قانون دود - فرانك ممكنا). وهذا الاعتقاد ذاته وهو ضمان اتحادي فعلي - يساوي مليارات الدولارات بالنسبة للمصارف الكبرى، حيث يجعل التعامل معها أقل مخاطرة.

وهذا الاعتقاد صحيح، فما من رئيس أميركي سوف يسمح لبنك قيمته تريليونان من الدولارات بأن يفلس، فهذا من شأنه أن يهدد الاقتصاد بأسره. ولكي تصبح الأمور أكثر سوءا، فإنه مع الضخامة يأتي المزيد من الغطاء السياسي.

فالمصارف الأكبر في وول ستريت، تجنبت بالفعل الأجزاء من قانون دود- فرانك التي لا تعجبها، بما في ذلك العديد من الضوابط المفروضة على التعامل في المشتقات (والمشتقات هي في جوهرها رهانات على الرهانات حول أسعار الأصول المستقبلية)، وهذا يعني أن هذه المصارف سوف تعود للقيام برهانات كبيرة حافلة بالمخاطر.

هكذا إذن، فإنه وقد انتهى "برنامج إعانة الأصول المضطربة"، ألا يتعين علينا التأكد تماما من أننا لن نحتاج إلى عملية إنقاذ أخرى لوول ستريت؟ إنه ما من مصرف ينبغي مرة أخرى أن يكون أكبر من أن يسقط.

أتقول إن هذا مستحيل، وإن البنوك كبيرة وقوية للغاية بحيث أنها ستمنع أي محاولة لتفتيتها؟

مع ذلك، فإن هناك سببا للاعتقاد بأن واشنطن ربما تكون مستعدة وراغبة في ذلك، وقبل أشهر قلائل اقترح دان تارولو محافظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي تخصص في تنظيم المصارف، وضع سقف لحجم دفاتر المصارف عند نسبة مئوية محددة من الاقتصاد الأميركي. وقال في هذا الشأن: "يتمتع هذا النهج بميزة ربط فرض حد على نمو الشركات المالية، بالنمو في الاقتصاد الوطني وقدرته على استيعاب الخسائر، وكذلك مدى اعتماد شركة ما على التمويل من موارد أخرى غير قاعدة الودائع الثابتة".

وفي غضون ذلك، فإن المجلس قد أخطر المصارف الكبرى بأنه لن يسمح لها بعد الآن، بشراء مصارف أخرى. ويقوم أيضا توماس هوينغ عضو مجلس مؤسسة الضمان الفيدرالي للودائع، وهو خبير مستقل اختاره الجمهوريون لشغل منصبه، بدفع خطة لتفتيت المصارف الكبرى قدما.

وهذه الخطوة لتفتيت المصارف الكبرى تكسب الدعم في بعض الدوائر غير المحتملة، بل إن عمالقة وول ستريت السابقين يهيبون بالمضي بها قدما.

كما أن ساندي فيل الذي أوجد سيتي غروب، وبالتالي يعد نموذجا للعمل المصرفي على نطاق عملاق، يقترح أيضا تفتيت أكبر المصارف، وقد صرح لشبكة "سي إن بي سي" بقوله: إنني أعتقد أن النموذج الأسبق كان مناسبا لذلك الوقت، ولا أعتقد أنه مناسب الآن. وقال فيل إنه يعتقد أن المصارف ستحقق المزيد من الربحية لدى تفكيكها، وأن الأسواق ستعمل بشكل أفضل.

ويذكر أن فيل كان واحدا من دعاة تحرير المصارف من الضوابط، ولكن عندما تعرضت سيتي غروب للمتاعب بادرت المجموعة إلى طلب 45 مليار دولار في صورة تمويل، من "برنامج إعانة الأصول المضطربة".

وربما يكون الكونغرس الجديد على استعداد للوقوف موقفا صارما حيال أكبر المصارف، رغم الخطة السياسية التي تتمتع بها المصارف، فأعضاء الكونغرس من الحزبين يشيرون إلى تأييدهم للحد من أحجام المصارف.

وقد كان جيب هنسارلنغ الرئيس الجديد للجنة الخدمات المالية التابعة لمجلس النواب الأميركي، وهو عضو جمهوري في المجلس عن ولاية تكساس، حليفا قويا للمصارف الصغيرة في اندفاعها لكبح جماح منافساتها الأكبر حجما. وليس مما يفتقر إلى الأهمية، أن فرع "داراس" من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي يتخذ من دائرة هنسارلنغ مقرا له، قد اقترح أيضا تفتيت المصارف الأكبر حجما.

وفي مجلس الشيوخ الأميركي يعد عضو المجلس عن ولاية أوهايو شيروود براون، من الدعاة الأقوياء لتفتيت المصارف الكبيرة، وهو الآن عضو في اللجنة المالية التابعة للمجلس، وسوف تشغل إليزابيت وارن، التي تعد من أبرز منتقدي وول ستريت، مقعدا في اللجنة المصرفية التابعة للمجلس أيضا.

وبتعبير آخر، فإن الوقت مناسب والظروف ملائمة، وكل ما نحتاج إليه هو خسارة مصرفية أخرى بمليارات عديدة من الدولارات بسبب الرهانات السيئة، مثل خسارة جي بي مورغان تشيس لستة مليارات دولار العام الماضي، وعندئذ تكون أكبر المصارف الأميركية جاهزة للتفتيت.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات