البيان الذي أصدره القضاء العسكري الأميركي الأسبوع الماضي في قضية برادلي مانينغ، كان بمثابة صحيفة إدانة لإدارة أوباما، وتكذيباً صريحاً لما جاء على لسان الرئيس الأميركي نفسه. فحين يجد القاضى أن متهماً تعرض لمعاملة «مفرطة في غلظتها»، يكون ذلك اتهاماً للسلطات المسؤولة. أما إذا كان القاضي الذي يقول ذلك الكلام ينتمى للقضاء العسكري، الذي يحكم وفق قوانين لا توفر الحماية التي يتمتع بها المدنيون، تكون شهادته معناها أن المتهم تعرض لأقصى أنواع العقاب الممكنة.
والحقيقة أن الكثير من الحقوقيين الأميركيين رفعوا الرايات الحمر منذ أن تم اعتقال برادلي مانينغ، المجند الأميركي المتهم بتسريب آلاف الوثائق إلى موقع ويكيليكس. فقد أعرب أولئك الحقوقيون عن قلقهم من المعاملة التي تعرض لها الشاب، الذي لم يتعد عمره الاثنين والعشرين عاماً، حين تم القبض عليه في العراق في مايو 2010. ف
منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها أقدامه أرض بلاده، وإيداعه في السجن العسكري في ولاية فرجينيا، تعرض مانينغ لمعاملة بالغة السوء. لكن الإدارة الأميركية رفضت بيانات الحقوقيين، حتى إن أوباما صرح بنفسه بعد تسعة أشهر كاملة من اعتقال الشاب، بأنه طلب من وزارة الدفاع موافاته «بما إذا كانت الإجراءات المتبعة في حبسه مناسبة، وتخضع لمعاييرنا الأساسية، فأكدوا لي أنها كذلك».
لكن تصريح أوباما لم يهدئ روع أصحاب الضمائر الحية في الولايات المتحدة، الذين ظلوا يتظاهرون مطالبين بالعدل لبرادلي مانينغ، وإظهار الحقيقة في ما يتعلق بالاتهامات الموجهة إليه. لكن القاضي العسكري أعلن الأسبوع الماضي أن المعاملة السيئة التي تعرض لها مانينغ، تستوجب تخفيض سنوات عقوبته إذا ما أدين.
والحقيقة أن قصة برادلي مانينغ نموذج كلاسيكي، يمكن أن يدرس في الجامعات حول الطريقة التي تنتقم بها الحكومات ممن يفضحون أسرارها السوداء. فمانينغ متهم بأنه وراء تسريب الوثائق الأميركية السرية إلى ويكيليكس، وبناء عليه، فقد تم اعتقاله تمهيداً لإخضاعه للمحاكمة العسكرية. ل
كن مانينغ لم تتم محاكمته حتى الآن، حيث لا يزال ينتظر المحاكمة، إلا أن المعاملة التي يلقاها داخل السجن العسكري، تعتبره مداناً حتى يثبت العكس. فهو خضع للحبس الانفرادى منذ اعتقاله، ولا يسمح له بترك زنزانته الضيقة إلا نصف ساعة فقط، خلال الأربع والعشرين ساعة.
وقد ثبت أن مانينغ كان يجبر عند النوم على خلع كل ملابسه، بينما تظل الزنزانة مضاءة طوال الأربع والعشرين ساعة. وتلك كلها من الأشكال المعروفة للتعذيب المحرم دولياً، وهو ما دفع 64 عضواً في البرلمان الأوروبي إلى توقيع رسالة احتجاج للحكومة الأميركية، تتهمها بتعذيب مانينغ، ومنع مقرر الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب من زيارته.
لكن كل تلك الضغوط دفعت دفعاً نحو تحقيق داخلي، كشف عن أن معاملة مانينغ انتهكت بالفعل السياسات المعمول بها داخل السجون العسكرية، وهي الانتهاكات التي وصفها المتحدث باسم الخارجية الأميركية وقتها، بأنها «سخيفة وغبية». لكن المتحدث الرسمي هذا تم طرده من وظيفته بسبب ما قاله، وظلت الإدارة تعتبر أن مانينغ ارتكب جرماً في حق بلاده، حتى إنها تطلب محاكمته وفق قانون التجسس، باعتباره «ساعد أعداء» الولايات المتحدة، عبر جعل تلك الوثائق متاحة لهم.
لكن تلك المعاملة التي يتعرض لها برادلي مانينغ، تطرح الكثير من الأسئلة حول التطور أو التراجع السياسي الذي تشهده الولايات المتحدة الأميركية منذ الحادى عشر من سبتمبر. فالولايات المتحدة كانت منذ السبعينيات قد قطعت شوطاً واسعاً نحو ضمان المزيد من الشفافية والمساءلة. فحرب فيتنام وفضيحة ووترغيت، كانتا بمثابة هزة عنيفة، صحا فيها المجتمع الأميركي على سلسلة من الأكاذيب التي روجتها حكومته، وأدت لهزيمة عسكرية مدوية في فيتنام، وإلى انتهاكات بالجملة للحقوق والحريات المدنية، كشفت عنها فضيحة ووترغيت.
لكن يبدو أن أحداث سبتمبر كانت ذريعة كافية للنكوص عما تم إرساؤه من ضمانات. فما قام به برادلي مانينغ حين سرب الوثائق السرية إلى ويكيليكس، لا يختلف في الواقع عما فعله دانيال إلزبرغ في الستينيات، حين كان يقضى الليل سراً داخل مبنى البنتاغون من أجل تصوير الوثائق السرية لتسريبها إلى «نيويورك تايمز».
وهذه الوثائق التي عرفت لاحقاً باسم أوراق البنتاغون، ضمت آلاف الصفحات، وكشفت عن أن الرئيسين كينيدي وجونسون كذبا على الرأي العام وعلى الكونغرس، في ما يتعلق بفيتنام، وظلت الأكاذيب تتلاحق إلى أن تورطت أميركا حتى أذنيها إلى حد الهزيمة.
وبينما يتم التعامل مع إلزبرغ اليوم باعتباره أحد الأبطال الذين فضحوا جرائم حرب فيتنام، ومن ثم عجلوا بنهايتها، فإن برادلي مانينغ يعامل باعتباره مجرماً ساعد الأعداء ضد بلاده، عندما سرب الوثائق الخاصة باحتلال أفغانستان والعراق، وما انطوت عليه من انتهاكات وجرائم خطيرة ارتكبتها بلاده.
وهذا هو بالضبط التراجع الذي حدث، فما يحدث اليوم لمانينغ هو ذاته ما حدث لإلزبرغ، فهو أيضاً تم القبض عليه واتهم - وفق قانون التجسس - بمساعدة الأعداء. بعبارة أخرى، ما يحدث اليوم لبرادلي مانينغ، يلغي عقوداً من التطور الإيجابي، ويعود بالولايات المتحدة إلى مربع «محلك سر».
ورغم أن تبرئة المحكمة لإلزبرغ عام 1973، أي بعد عامين من حبسه، اعتمدت على أسباب إجرائية، إلا أنه لا أحد يعرف ما إذا كان التاريخ سيسجل مانينغ هو الآخر باعتباره بطلاً أسهم في كشف الحقيقة، ومن ثم وقف الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها حكومة بلاده، أم باعتباره مجرماً قضى حياته في السجن بعد أن ساعد أعداء وطنه!