فور أن صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قبول فلسطين دولة غير عضو، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن تسريع وتيرة الاستيطان اليهودي في الأرض المحتلة، المرشحة لتثبيت هذه الدولة جغرافيا على أرض الواقع.
ولغير مرة وفي أكثر من مناسبة، جدد بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، تأكيده على مواصلة التوسع الاستيطاني في القدس المحتلة، وأنه لا يعبأ بما يقوله الآخرون. لمزيد من استفزاز "المجتمع الدولي" بأسره، وليس فقط الفلسطينيين والعرب والمسلمين، مضى نتنياهو ورهطه، كوزير خارجيته أفيغدور ليبرمان ربيب مافيات مولدافيا، إلى أن "القدس هي عاصمتنا الأبدية" وأنها وحائط المبكى (البراق) "ليست منطقة محتلة..".
وقد تم تعميد هذه الأطروحات النظرية بالموافقات الحكومية على تنفيذ مشروعين استيطانيين متوحشين، أولهما لبناء 3400 وحدة سكنية في مستوطنة معاليه أدوميم، والثاني لبناء 1500 وحدة مماثلة في مستوطنة شلومو، وكلاهما يقتطع من محيط القدس الشرقية ويستكمل عزلها عن مجالها الفلسطيني، ويجعل من الدولة الفلسطينية مجرد فكرة طموحة غير قابلة للتطبيق.
مقابل هذا السلوك العدواني الصريح، شهدنا رفضا وتنديدا واسع النطاق؛ اضطلعت به جبهة عريضة تمتد من السلطة الفلسطينية في رام الله إلى أروقة مجلس الأمن في نيويورك، مرورا بكافة العواصم والكتل الاقليمية والدولية المعروفة. السلطة الفلسطينية علقت غاضبة بأن المستوطنين سيحاسبون على جرائمهم، وتوعدت مشاريعهم الهستيرية بالزوال من الضفة والقدس، مشيرة إلى أن "دولة فلسطين تم تحديدها على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.. وقد بدأنا الدراسة القانونية لمساءلة إسرائيل ومحاسبتها وفقا للقانون الدولي".
ومن جهتها تبنت الجامعة العربية الموقف الفلسطيني، وأضافت إليه ضرورة النظر جديا في جدوى مبادرة السلام العربية، وتحري بدائل مناسبة أخرى للرد على العنجهية الإسرائيلية. ولم تقصر المنظومات الإسلامية والأفروآسيوية واللاتينية، في نقد التصعيد الاستيطاني الإسرائيلي، باعتباره "عرقلة واضحة لحل الدولتين". ويبدو أن تجليات التبجح الإسرائيلي كانت شديدة هذه المرة، لجهتي التوقيت ومستوى تحدي المزاج الدولي، بحيث اضطرت طوكيو للتخلي عن مألوف مقارباتها مفرطة الكياسة للشؤون الشرق أوسطية.
وإصدار بيان يعبر عن استيائها البالغ من الاستيطان المتسارع الذي يتنافى وجهود حل الدولتين، ويدعو إسرائيل إلى تجميد الاستيطان كليا، لكونه خطوة أحادية تغير وضع القدس الشرقية. وبشكل استثنائي لا تخطئه البصيرة، توافق الاتحادان الروسي والأوروبي، من خلال "بيان مشترك"، على "استنكار الخطط الاستيطانية الإسرائيلية، والاعتراض عليها كليا، لأنها تعرض الدولة الفلسطينية للخطر وتخالف القانون الدولي، علما بأن الطرفين لا يعترفان بأي تغيير لحدود 1967 بين إسرائيل وفلسطين..".
لا ندري كيف ستفهم إسرائيل مثل هذه السابقة؛ التي اقترنت بمواقف غاضبة منفردة من بعض العواصم الأوروبية، وصلت حد استدعاء سفراء إسرائيل لتوبيخ سياسة حكومتهم، وتهديدها بخطوات عقابية قوية. وهو توجه استحسنته الأوساط الشعبية الأوروبية، الناشطة في حقل مقاطعة منتجات المستوطنات.
ومع أن واشنطن امتعضت من إدلاء كل شركائها في مجلس الأمن ببيانات تعارض سياسة التوسع الاستيطاني المزمع حول القدس، وسعت إلى الزامهم بالحد الأدنى من الصرامة في هذه البيانات، إلا أن البيت الأبيض لم يتمكن من مفارقة سيل الإدانات الدولية الجارف لهذه السياسة.. وآية ذلك أنه أعلن في 30 نوفمبر الماضي، أن "الخطة الإسرائيلية الجديدة ستأتي بنتائج عكسية، وقد تضعف محادثات السلام بين إسرائيل وفلسطين".
نحن، والحال كذلك، بصدد موقف أميركي يصح وصفه بالاحتشام والنعومة، لكنه يعبر عن مدى غلو الإسرائيلي في مجافاة الجماعة الدولية، إلى الدرجة التي أخجلت ظهيرها شبه الوحيد، وساقته كرها إلى هذا التعبير الخجل.
الأسئلة الآن.. وماذا بعد؟ إذا كان هذا هو حظ السياسة الإسرائيلية الاستيطانية من الرفض والتبكيت والتسفيه في جهات الدنيا الأربع، فما الذي يحول دون وقفها وكنس آثارها؟ ما هي كلمة السر في إحباط ترجمة هذا السخط العالمي الفوار إلى سياسات عقابية تنال من إسرائيل وتنتصر لفلسطين عمليا؟
ألا يملك هؤلاء الغاضبون الرافضون جميعهم، الأدوات والآليات الكفيلة بتعطيل حركة الجرافات وورش الهدم والبناء في حرم زهرة المدائن وأكناف بيت المقدس؟ لنتذكر أن كفاح شعب جنوب إفريقيا لم يتوج بتقويض نظام الفصل العنصري، إلا حين تعامدت معه وآزرته مقاطعة دولية حازمة، عزلته عن العالم الخارجي وأجبرته على الاستجابة المطلوبة قانونيا وسياسيا وأخلاقيا. فأين اقتران القول بالفعل في هذا النموذج من الاستنفار الكلامي الموسمي البحت مع إسرائيل؟
ينبغي أن تكون الإجابة عن هذه الاستفهامات ونحوها، بين أهم هواجس الدبلوماسيتين الفلسطينية الوطنية والعربية القومية، ومن خلفهما دبلوماسية العاطفين في كل مكان على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة، إذ ليس بعد الإيمان بهذا الحق سوى بذل الجهد والاجتهاد لتحقيقه.
ونحسب أن تحالفا قوامه المئة والثماني والثلاثون دولة، التي صوتت لشهادة ميلاد فلسطين الدولة، يكفي وزيادة لإعمال هذا الحق على أرض الواقع.. ومن أجل ذلك التحالف، فليعمل العاملون والقائمون على هذه الدبلوماسيات جميعا.