وقفت طويلاً عند الخبر الذي نشر الأسبوع الماضي، حول الحكم على متهم «إماراتي الجنسية» بالحبس سبع سنوات، بتهمة التخابر مع دولة أجنبية، وتزويدها بمعلومات تضر بالأمن الوطني، ومنشآت الدولة، وعلاقاتها مع الدول الصديقة.
ومثلما وقفت عند هذا الخبر طويلاً، ترددت كثيراً في الكتابة عنه، ليس لأنه لا يستحق الكتابة، وإنما لأننا تعودنا في الإمارات أن نكتب عن حب الوطن، والتنافس في التعبير عن هذا الحب، والتفاني في صون الوطن والدفاع عنه، ولم نتعود الكتابة عن خيانة وطننا الإمارات، لأننا لا نتصور أن يكون بيننا خائن لهذا الوطن، ولا نتصور أن يخون الإمارات كائن من كان، لأن أياديها البيضاء تغمر الجميع بالفضل والإحسان.
لذلك، أبدأ بتسجيل امتعاضي من الخبر كله، واعتراضي على وصف هذا الخائن الذي اعترف بتقديم معلومات عسكرية، من شأنها الإضرار بمركز الدولة العسكري والسياسي، إلى دولة أجنبية، بأنه إماراتي الجنسية، لأن من يحمل اسم الإمارات وجنسيتها لا يفكر في خيانتها، ووضع يده في يد الأجنبي، مهما كانت الأسباب والدوافع، فأبناء الإمارات الخالصون المخلصون لا يحملون في خريطتهم الوراثية جينات العمالة والخيانة والغدر بوطنهم، ولا يبررون لأنفسهم خيانة وطنهم، ولا يضعفون أمام أقوى المغريات، عندما يكون الثمن وطنهم.
الإمارات لا تستحق الخيانة والغدر من أبنائها، لأنها الحضن الدافئ الذي ولدوا فيه، ولأنها الأرض الطيبة التي ترعرعوا عليها، ولأنها السماء الصافية التي تنسموا تحتها عبير الحياة الهانئة، وملؤوا صدورهم منها بالهواء النقي، ولأنها الغيمة الحانية التي استظلوا بها من هجير الأيام، فوقتهم عاديات الزمن، ولأنها الدرع الذي صد ويصد عنهم السهام في أوقات المحن.
والإمارات لا تستحق الخيانة والغدر من المقيمين فيها، لأنها الأرض الحنون التي اجتمع عليها الهاربون من ضيق العيش في أوطانهم، فوجدوا فيها الأمان الذي افتقدوه، وانفتحت لهم فيها أبواب الرزق عندما انغلقت في بلدناهم، وكانت لهم الأم الرؤوم التي احتضنتهم عنما عجزت الأراضي التي ولدوا عليها عن احتضانهم.
والإمارات لا تستحق الخيانة والغدر من أصدقائها، لأنها لم تعرف طوال تاريخها إلا الوفاء للصديق والغريب، ولم تحمل قلوب أبنائها إلا المحبة للبعيد والقريب، ولم تنتهج في علاقاتها مع غيرها إلا طريق الخير والتسامح، والبعد عن التدخل في شؤون الغير، منذ عهد مؤسسيها الأوائل، طيب الله ثراهم، وحتى عهد أبنائهم السائرين على نهجهم وخطاهم، أمد الله في أعمارهم.
لا نقول هذا لأن الإمارات وطننا، فشهادة الإنسان في وطنه مجروحة عادة، ولكن نقوله لأن تاريخ الإمارات ناصع ومعروف للجميع، ومن كانت لديه ذرة شك في ما نقول، فليفتح الملفات، ولينشر الأوراق ليقول لنا متى كانت الإمارات جائرة ومعتدية، ومتى كانت الإمارات متطفلة، ومتى كانت الإمارات متدخلة في شؤون غيرها، ومتى كانت الإمارات ساعية إلى بذر الخلاف بين الشعوب، ومتى كانت الإمارات مشعلة للفتن بين الدول؟.
ولا نقول هذا من باب الفخر والتباهي، مع أن من كان له وطن مثل الإمارات، يحق له أن يفخر ويتباهى به على سائر البلدان والأوطان، لكن أهل الإمارات، منذ أن خلقهم الله، وهم معروفون بالطيبة والتواضع وشكر النعمة ونبذ البطر.
حدث هذا عندما كانت الإمارات قفراً تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، لكنها لا تستجدي أحداً، وحدث هذا عندما أفاء الله على الإمارات بالخير، فانبثق النفط من تحت الأرض، ليغير وجه الحياة فوقها.
حينها لم تحتكر الإمارات الخير والثروة لنفسها، وإنما أفاضت على القريب والبعيد دون منٍّ أو أذى. وهذا هو ما صنع الفارق بينها وبين دول أخرى أكثر منها غنى، وأوسع ثروة، وأكبر مساحة، لكنها حرمت شعوبها من تلك الثروة، واستعبدتها وأذلتها، ثم سخرت ثروتها للسيطرة على جيرانها، وإثارة القلاقل في بلدانهم لضمها تحت عباءتها وفرض أيديولوجياتها عليها.
نقول هذا، ليعرف الجميع أن الإمارات عزيزة على أبنائها، يعرفون لها فضلها عليهم، ويعرفون لها مكانتها عند الأمم والشعوب، ويعرفون أنها كالثوب الناصع البياض، ويعرفون أن النقطة السوداء تبدو في الثوب الأبيض شاذة ومنفرة، تشوه الصورة، وتكسر النظر، وتجرح العين وتملؤها قذى، وعندما تمتلئ العين قذى، يصبح تطهيرها واجباً وملحاً وضرورياً، من أجل صالح البدن كله.
يقول الشاعر الداغستاني الشهير «رسول حمزاتوف» في ملحمته الرائعة «داغستان بلدي»، إن أهل داغستان يبالغون في إكرام ضيفهم، يفتحون له بيوتهم، يجلسونه على أفضل ما يفترشون، ويطعمونه من أفضل ما يأكلون، لكنه عندما يهم بمغادرة بلدهم، يطلبون منه أن ينفض نعليه حتى لا يعلق بهما تراب من أرض داغستان، لأنهم يجودون بكل شيء إلا تراب الوطن!.
وكذلك هم أهل الإمارات، يجودون بما في أيديهم، ولا يبخلون بشيء، إلا تراب الوطن، فهم لا يفرطون في حبة رمل واحدة من ترابه، لأن تراب الوطن نفيس وغالٍ، أغلى من الأرواح التي يبذلونها رخيصة من أجله.
لذلك نقول، إنه لا مكان بين أبناء الإمارات لمن يفكر في خيانة الوطن، فمن يخون الإمارات لا يستحق أن يحمل اسمها وجنسيتها، ولا حتى العيش على أرضها، لأن الإمارات أرض الأوفياء فقط، والأوفياء وحدهم هم من يستحقون العيش على أرضها، وتنفس هوائها، والتمتع برؤية سمائها.