بعد أن ظل يحوم ويدور حول لب الموضوع في مهمته الشاقة لمقاربة الأزمة السورية طيلة الشهور المنصرمة، حسم المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي أخيراً موقفه. ففي مقابلة مع «رويترز» في العاشر من يناير الجاري، أعلن في معرض حديثه عن ملامح الحكومة الانتقالية التي يجري التفاوض بشأن تشكيلها في سوريا، وفق إعلان جنيف الذي صدر في الثلاثين من يونيو المنصرم، بأن الرئيس الأسد «بكل تأكيد لن يكون عضواً في هذه الحكومة».

هكذا يغلق الإبراهيمي البوابة في وجه الرئيس الأسد، الذي سبق أن أخبره في لقاء سابق عن رغبته بالبقاء في السلطة والترشيح للرئاسة المقبلة. والحقيقة أن هذا الموقف يستوجب بعض التوقف، فالإبراهيمي ليس صاحب قرار في هذا الشأن، خاصة وأنه على دراية تامة بالرفض الروسي، في العلن على الأقل، لأية تسوية تنص على استبعاد الرئيس السوري من الساحة السياسية. لذلك من المرجح أنه لم يكن ليدلي بتصريح كهذا، لو لم تتوافر لديه القناعة من خلال رصده لبعض الإرهاصات التي تشير لذلك، خلال لقاءاته العدة على أعلى المستويات.

يأتي تصريح الإبراهيمي بعد أيام قلائل من خطاب الرئيس الأسد في دار الأوبرا، الذي قوبل برفض شديد من المعارضة ومن الدول الغربية التي اعتبرته محاولة يائسة للتشبث بالسلطة، فقد تحدث فيه عن كل شيء ما عدا الواقع الموضوعي للأزمة السورية، متعالياً كعادته، ومغازلاً الولايات المتحدة بالتركيز على أن ما يجري في بلاده ليس سوى أنشطة لتنظيم القاعدة والتنظيمات الإرهابية الأخرى التي تحالفت معها.

وأنه الفارس الذي نذر نفسه للتصدي لها. ويأتي كذلك عشية اللقاء الثلاثي الذي جمعه في جنيف مع نائب وزيرة الخارجية الأميركية وليام بيرنز، ونائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، لبحث سبل وضع إعلان جنيف موضع التطبيق.

الرئيس الأسد متمسك بكرسيه مهما بلغت الخسائر التي تحيق ببلده، فهو متيقن أن نظامه لن يسقط دون تدخل خارجي، وهو ما يشاركه فيه الكثيرون من متابعي الأزمة السورية ومن ضمنهم بعض معارضيه، ولذلك يراهن في بقائه على العوامل التي تجعل هذا التدخل أقل احتمالاً.

فهو إضافة إلى رهانه على استمرار الدعم الروسي والصيني، يرى أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، لا يزال يئن من تداعيات الأزمة المالية، التي كان آخرها الهاوية المالية التي أوشكت أن تعيد الاقتصاد الأميركي بقوة إلى حالة الكساد، في الوقت الذي تستمر فيه منطقة اليورو الأوروبية باحثة عن رقع لرأب التصدعات المالية، التي ما فتئت تتفتق في هذه الدولة.

أو تلك. كما يتعزز في الوقت نفسه نفور الغرب، حكومات وشعوباً، من الحركات الإسلامية المتطرفة التي لا تقل عن تنظيم القاعدة خطراً، والتي أصبحت الساحة السورية مرتعاً خصباً لها، مما حدا بالولايات المتحدة إلى تصنيف إحداها (جبهة النصرة)، ضمن المنظمات الإرهابية. ويضاف إلى ذلك تزايد خيبة الأمل لدى الغرب مما آلت إليه ثورات الربيع العربي.

ومصادرة أحلام الشباب في بناء أنظمة ديمقراطية يتنفسون فيها الصعداء، وتوفر لهم أجواء حقيقية للتقدم، بعد أن استحوذت التنظيمات الإخوانية والسلفية على حصادها. ولعل التعيينات الجديدة التي أقدمت عليها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لكل من جون تيري في منصب وزير الخارجية وتشاك هاجل لمنصب وزير الدفاع، تعزز الانطباع لدى الرئيس السوري بأن الولايات المتحدة فقدت الكثير من شهيتها للتدخلات الخارجية.

وأنها قد تكون بصدد مراجعة فعلية لاستراتيجيات سياساتها الخارجية. فالمعروف عن هذين المرشحين اللذين اشتركا في الحرب الفيتنامية، أنهما أصبحا في ما بعد من أشد المعارضين للحروب الأميركية خارج الولايات المتحدة، طيلة فترة وجودهما كأعضاء في مجلس الشيوخ.

صحيح أن هذه العوامل تدعو الغرب للنكوص في مواجهة بعض الحالات، إلا أنها من المستبعد أن تعيقه عن مواجهة قضية استراتيجية تتعلق بتعديل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الحيوية لمصالحه.

لقد انفض اللقاء الثلاثي في جنيف من غير التوصل إلى اتفاق، وصرح الإبراهيمي عقبه بأن الأطراف متفقة على أن لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا.

الصعوبة التي تواجه الإبراهيمي، هي أنه لم يصدر عن روسيا حتى الآن ما يشير إلى استعدادها للتخلي عن الأسد، فهي حين أصبحت طرفاً في إعلان جنيف الداعي لتشكيل حكومة انتقالية، لم تسقط من حساباتها دور الأسد في وضع سيناريوهات هذه الحكومة. لعبة الشد والجذب في المسألة السورية، وصلت إلى حدود لم تعد مقبولة على جميع المستويات، الأخلاقية بشكل خاص.

فقد تجاوز عدد ضحايا الصراع الدائر ستين ألف قتيل حسب بيانات الأمم المتحدة، ناهيك عن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية للاقتصاد السوري، والخراب الهائل في المدن، والوضع المزري الذي يعيشه مئات الآلاف من المهجرين والنازحين داخل سوريا وفي دول الجوار.

ولكن كيف السبيل لتنفيذ إعلان جنيف؟ وما الذي لدى الإبراهيمي من أفكار لتحقيق ذلك؟ المرجح أن الإبراهيمي، إضافة إلى استشرافه الشخصي لأبعاد الأزمة السورية، قد توصل إلى استنتاج أن روسيا باتت قريبة من قبول الأمر الواقع، من منطلق القناعة بعدم جدوى الاستمرار في دعم الرئيس الأسد.

فذلك لن يغير من المصير المتوقع للنظام القائم من جهة، ولم تعد سوريا بلداً تستفيد موسكو من علاقاتها معه حتى في حالة بقاء الأسد في رأس السلطة، من جهة أخرى. من جانب آخر، من المستبعد جداً أن يوافق الرئيس الأسد على التنحي، حتى لو تعرض لأشد الضغوط من قبل حلفائه.

 وقد يكون السيناريو الذي تلجأ إليه موسكو، هو مجرد التوقف عن تقديم الدعم العسكري لقواته وتركه لمصيره، كما فعلت من قبل حين تركت الرئيس الصربي سلوبان ميلوسوفيتش يواجه مصيره لوحده عام 2000. لا شك أن لدى الغرب نية حقيقية للتغيير في سوريا، ولكن من الصعب التيقن بأن ذلك سيتم بتدخل عسكري مباشر، إلا إذا تطورت الحالة ولجأ النظام السوري بدافع اليأس، إلى استخدام الأسلحة الكيميائية.

ولكن مقابل ذلك، فإن وقف وصول الدعم العسكري له وتوفيره لمعارضيه، سيكون الخيار الذي من المتوقع أن يلجأ إليه الغرب، وقد يضاف لذلك تحييد السلاح الجوي السوري، للتعجيل بإسقاط النظام. وفي سيناريو كهذا، ستزداد حتماً الضغوط على حكومتي بغداد وبيروت لاتخاذ أشد الإجراءات، لمنع وصول السلاح ومنع تسلل المقاتلين لدعم نظام الأسد.