رغم أن إصرار أوباما على ترشيح تشاك هاغل وزيرا للدفاع، مثل تحولا مهما في طبيعة العلاقة مع لوبي إسرائيل في واشنطن، إلا أن مجمل ترشيحات الرئيس الأميركي لملء الوظائف المختلفة في إدارته الثانية، بما في ذلك ترشيحه لهاغل ذاته، يكشف عن التمسك بالتوجهات السياسية نفسها التي عبرت عنها إدارته الأولى. فهي ترشيحات تعبر عن استمرارية في التوجهات الاقتصادية النيوليبرالية.

وفي مأسسة انتهاك الحريات المدنية، مع الإبقاء على الطابع الإمبراطوري للسياسة الخارجية. ولعل ترشيح أوباما لكل من جيكوب ليو وزيرا للمالية وجون برينان رئيسا للمخابرات المركزية، فضلا عن تشاك هاغل للدفاع، يشرح ذلك المعنى.

فترشيح جيكوب ليو، الرئيس الحالي للجهاز الفني للبيت الأبيض، لشغل منصب وزير المالية، يؤكد أن سياسات أوباما الاقتصادية ستظل تتبنى الفكر النيوليبرالي، الذي هيمن على صنع السياسة الاقتصادية منذ عهد ريغان وبوش الأب، مرورا بكلينتون الديمقراطي وبوش الابن الجمهوري، ووصولا إلى أوباما. فجيكوب ليو ليس غريبا عن وول ستريت ولا عن إنتاج تلك السياسات النيوليبرالية.

فهو عمل في عهد كلينتون رئيسا لمكتب الإدارة والميزانية التابع للبيت الأبيض، وكان مسؤولا عن إعداد مشروعات القوانين التي حدت من الضوابط الحكومية على المعاملات المالية والبنكية، والتي تسببت لاحقا في الأزمة المالية. وقد اختار أوباما جيكوب ليحل محل الوزير الحالي تيموثي غايثنر، الذي يمثل التوجه الاقتصادي نفسه.

وعلى ذلك، فإن ترشيح ليو يضع نهاية لآمال كانت لدى التقدميين، في أن يكون أوباما قد استوعب درس انتخابات الرئاسة 2012، وأدرك أن عليه أن يعيد حساباته ليستجيب لقاعدة حزبه. فقاعدة الحزب الديمقراطي التي استاءت من أداء أوباما في السنوات الأربع الأولى لحكمه، كادت تعاقبه في الانتخابات الأخيرة بالامتناع عن التصويت، ولكنها قررت الخروج يوم الانتخابات لمنع رومني من الوصول للحكم.

وأوباما لم يكن بإمكانه الفوز لولا الحشد للتصويت من جانب قاعدة الحزب الديمقراطي وقواه الرئيسية. لكن يبدو أن أوباما لا يزال يؤمن بأن تلك القطاعات أسيرة الحزب، لأنه لا يمكنها التصويت للحزب الجمهوري.

وقد اختار أوباما لمنصب مدير المخابرات المركزية جون برينان، المعروف بمواقفه المؤيدة لمنظومة بوش الابن، التي مثلت قصفا منظما للحريات المدنية وعصفا بالمبادئ التي قام عليها الدستور الأميركي ذاته. فهو ظل واحدا من الذين دافعوا علنا عن برنامج بوش للتنصت على الأميركيين دون إذن قضائي، وممن طالبوا بتحصين شركات الاتصالات التي تواطأت لتنفيذ ذلك البرنامج، من الملاحقة القضائية.

وهو من أهم رجال المخابرات الأميركية الذين دافعوا عن استخدام التعذيب للحصول على المعلومات، وعن إرسال المعتقلين لدول أخرى لاستجوابهم. ولا يقل خطورة عن كل ذلك أن برينان كمستشار لأوباما، كان أحد مهندسي التوسع في استخدام برنامج الضربات الجوية التي تقوم بها الطائرات بدون طيار، بناء على قرار منفرد من الرئيس الأميركي يحدد فيه أسماء المستهدفين بالاغتيال، وهي الضربات التي يروح ضحيتها مئات المدنيين.

والمفارقة الجديرة بالتأمل، أن ترشيح برينان للمنصب نفسه بعد تولي أوباما مباشرة في 2009، أثار عاصفة سياسية أودت بفرصه، بينما لا يلقى ترشيحه اليوم اعتراضات تذكر. وهو ما يمثل مؤشرا خطيرا، يكشف عن أن الانتهاكات الواسعة التي جرت في عهد بوش، تمت مأسستها في عهد أوباما على نحو أدى لاعتيادها لدى الكثيرين.

أما ترشيح هاغل فرغم ما يمثله من تحول بشأن لوبي إسرائيل، إلا أنه لا يعبر عن تغيير في التوجهات الرئيسية لإدارة أوباما. فبمجرد أن تردد اسمه لشغل منصب وزير الدفاع، لقي السيناتور الجمهوري السابق تشاك هاغل، حملة شرسة من لوبي إسرائيل اتهمته بالعداء للسامية ولإسرائيل، لأنه رفض الموافقة على كل مواقف الليكود الإسرائيلي.

وعارض اللجوء للخيار العسكري ضد إيران، وانتقد أيقونة المحافظين الجدد ومشروعهم الرئيسي؛ أي الاحتلال الأميركي للعراق. لكن أوباما رفض الانحناء لرغبة الليكود وأنصاره في واشنطن، وأصر على الإعلان رسميا عن ترشيحه لهاغل لشغل ذلك المنصب المهم.

والحقيقة أن ذلك الإصرار يمثل الهزيمة الثانية التي تلقاها نتانياهو وأنصار الليكود في واشنطن، في أقل من شهرين. فالهزيمة الأولى كانت فوز أوباما نفسه في الانتخابات الرئاسية، بعد أن قاد أنصار اليمين الإسرائيلي في واشنطن وتل أبيب، حملة ضخمة تكلفت الملايين من أجل الإطاحة بأوباما وتنصيب ميت رومني رئيسا. وهي الحملة التي لم يكن نتانياهو نفسه بعيدا عنها، حتى أنه تلقى انتقادات واسعة داخل إسرائيل بعد فوز أوباما، باعتبار أنه وضع إسرائيل في موقع لا تحسد عليه بدعمه الضمني والواضح لرومني.

لكن هاغل ليس عدوا لإسرائيل كما يزعم أنصار الليكود، فهو من أشد المعارضين مثلا لأية تسوية سياسية "لا تحترم الهوية اليهودية لإسرائيل". كل ما في الأمر أن هاغل ينظر لإسرائيل كدولة حليفة لا بد من دعمها، ولكن وفق الأولويات والمصالح الأميركية وليس العكس.

وهاغل رغم إيمانه بأن الميزانية العسكرية الأميركية قد استفحلت، إلا أنه يظل في النهاية من الجمهوريين المحافظين الذين يؤمنون بالهيمنة الأميركية، ولا يعارضون من حيث المبدأ التدخل العسكري الأميركي في الخارج. فهو لم يعارض غزو العراق، ثم حين انتقل لاحقا لانتقاد الاحتلال الأميركي هناك، كان انتقاده منصبا على ما أدى إليه الاحتلال من كوارث للاقتصاد والسياسة الخارجية الأميركية، بينما لم يتطرق أبدا لعدم مشروعية ذلك الاحتلال أصلا، ولا للكوارث التي حلت بالعراق وأهله بسببه.

باختصار؛ فإن ترشيحات أوباما بما فيها ترشيح هاغل، تعبر عن استمرارية التوجهات الاقتصادية النيوليبرالية، وإضفاء الطابع المؤسسي على العصف بالحريات والحقوق المدنية، فضلا عن تبني المنطق الإمبراطوري للسياسة الخارجية.