إن القائد الحق يغتنم الفرصة عندما يراها، وإن لم تكن فإن عليه أن يكون مستعداً لصنعها، بهذا التوصيف والتحديد الدقيق يكون الدور الذي ينبغي أن تضطلع به القيادة في توجيه البوصلة وتحديد الهدف ثم تعبئة الطاقات وحفز الهمم للوصول إلى الغاية.
ومسيرة التاريخ تخبرنا أن نهضة الشعوب في العالم شرقه وغربه، قامت على أفكار قادة غيروا وجه الأرض.
ولأن دبي دائما لا تقبل بغير التميز بديلا وبغير المركز الأول مكاناً، لإيمان قيادتها بأن التاريخ لا يعرف غير أصحاب المراكز الأولى، متسائلة من يعرف اسم ثاني شخص هبط على القمر أو تسلق قمة إيفرست؟ والحصان الثاني لا يعرفه أحد، وعليه لا بد أن نكون في المقدمة، ثم نريد أن نحقق المهمة الأصعب ونظل في المقدمة.
لذا كان إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم "دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي"، تعبيراً عن قراءة جلية لواقع، مفاده أن منتجات الاقتصاد الإسلامي تقدر بنحو 2.3 تريليون دولار، ومع وجود ما يقارب 1.6 مليار مسلم حول العالم، بالتزامن مع تغيير خريطة التأثير الاقتصادي العالمي نحو الشرق ودول البريكس، فإن هذا الاقتصاد يمثل قطاعاً واعداً لا يمكن إغفاله للدول الرائدة اقتصادياً، كما تعتبر الخدمات المصرفية الإسلامية حالياً من أسرع القطاعات الاقتصادية نمواً في العالم، حيث من المتوقع أن يبلغ حجم هذا القطاع تريليون دولار في 2013، تديرها 300 مؤسسة مالية في أكثر من 75 دولة حول العالم، بميزانيات تبلغ قيمتها نحو 300 مليار دولار.
والشاهد أن لندن تعتبر مركزاً من مراكز البنوك الإسلامية، حيث توجد بنوك تلتزم بالضوابط الإسلامية في الاستثمارات، وزادت هذه البنوك في 2012 بأكثر من 30%. والحق أن هذه المبادرة، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وما سبقها من مبادرات، تأتي في السياق الطبيعي لرؤيته، وتعبر بشكل جلي عن كيف أن الفكر الحي لا ينحسر بين دفتي كتاب، ولكن قيمته حين تتحول الرؤية إلى واقع، فرؤية لا تقبل التطبيق هي فلسفة عقلية قاصرة، وواقع لا يقوم على رؤية تتعامل مع الأحداث يوماً بيوم، غير جائز عند قيادة الشعوب وراسمي مستقبل الأوطان.
لذا كانت رؤية صاحب السمو واضحة جلية، حين قال: "إن القائد يرى في المستقبل ما لا يراه الآخرون، من التطلع إلى الأمام واستشعار الاتجاهات المستقبلية وتوقع الأحداث وإعداد الناس لها".
إننا عندما نتحدث عن الفكر الإبداعي الذي تنطلق منه رؤية الإمارات، فليس هذا محض دفقات وطنية، لكنه يستند إلى واقع له جذور ممتدة لسنوات خلت، والشاهد أن دبي كانت سباقة نحو الأخذ بالاقتصاد الإسلامي، بتأسيس أول مصرف وسوق مالي إسلامي على مستوى العالم في فترة مبكرة، وما قام به الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في هذا المجال، يؤكد إدراكه المبكر لأهمية دور الاقتصاد الإسلامي في تجنيب العالم كثيرا من الأزمات التي سيتعرض لها.
وفي تقرير مصور عرضه التليفزيون الألماني، يقول "سيمون بولي"، وهو من أبرز رجال البنوك في بريطانيا، "لدي اعتقاد جازم بأن فكرة البنوك الإسلامية سيطبقها العالم قريباً لا محالة"، بل وفي قلب الفاتيكان أعلنت صحيفة "سرفاتورو رومانو"، الناطقة باسم البابا، أنه يجب أن تلتزم البنوك في المستقبل بالقوانين الإسلامية في المعاملات المالية.
كما أكدت خبيرة الاقتصاد "لوريتا نابوليني" من أمام بنك "هالي فاكس" في شارع هاي ستريت في لندن، والذي كاد أن يفلس من جراء الأزمة الاقتصادية، قالت: "إنه كان يمكن تفادي هذا كله لو التزمت البنوك ببعض المبادئ الأخلاقية التي تنادي بها الصيرفة الإسلامية"، كما أنها قارنت بين النظام الغربي المالي والنظام الإسلامي، وتوصلت إلى أن النظام المالي في البنوك الإسلامية خسائره محدودة، لأن هناك ضوابط تحكم طبيعة الاستثمار، وضوابط في حدود المخاطرة، كما أنه يقوم على وجود طرفين يدخلان معاً في شراكة ويتحملان معاً المخاطرة، وهو عكس النظام المصرفي الغربي.
وإذا كانت هناك مراكز متعددة للاقتصاد الإسلامي في العالم شرقاً وغرباً، فإن دبي عندما تبادر فلا تقبل بغير أن تكون عاصمة له، ولم لا وما تتمتع به إمارة دبي بوجه خاص من اقتصاد حر مرن ومفتوح، قادر على استيعاب المتغيرات وفتح آفاق جديدة ورحبة باستمرار، وتنوع اقتصادها وما تمتلكه من بنية تحتية وتقنية ولوجستية، تؤهلها لأن تستوعب إضافة قطاع الاقتصاد الإسلامي إلى باقة القطاعات الاقتصادية الفاعلة في الإمارة.
ولا شك أن ما أعلنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من متابعة للمبادرات السابقة، يعكس حرصا شديدا على أن تؤتي ثمارها، وأنها ليست مبادرات احتفالية، بل هي فكر يطبق على أرض الواقع ويغيره، وهذه المتابعة من سموه سوف تكون المفتاح الذي يذلل أي عوائق تقف في طريق تحقيق أهدافها المرجوة.
وهنا تأتي القيمة التي تؤطر المبادرات، ليس فقط حين تتبناها وترعاها القيادة السياسية، فما بالك حين تكون هي مصدر هذه المبادرة وصاحبتها لتأخذ مصداقية كبيرة، كما أنها تعبر عن توجه وسياسة حكومة، وهنا تخرج المبادرة من إطارها المحلي لتنطلق إلى الإطار الإقليمي والعالمي.
وفي تقديري أن إعلان دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، على ما به من فرص اقتصادية متعاظمة، مستندة على دلائل ومؤشرات اقتصادية خالصة، إلا أنها بجانب هذا تقوم بدور ثقافي تجاه أمتها، عبر تقديم نظرة الاقتصاد الإسلامي وقدرته على التحدي والإنجاز من بين مختلف المدارس الاقتصادية، عبر شهادات واقعية، والواقع دائما خير شاهد، ولا شك أنها ستنجح في ذلك نجاحا سيكون بمثابة انطلاقة جديدة للاقتصاد الإسلامي في مختلف بلدان العالم، كيف لا ودبي دائما محط أنظار العالم، ومن لا يعرف عليه أن يرجع إلى الوراء أياما قلائل، يوم أن كان ما يزيد على مليار من مختلف الأجناس والملل يتابعون إطلالة اليوم الأول من عام 2013 وأعينهم على برج خليفة في دبي، التي ترى قيادتها أننا لا بد أن نفتح الأبواب ونخرج إلى الشمس.
وإذا كان العالم مليئاً بالتحديات، فعلينا أن نستيقظ مبكرين وأن نعدو أسرع من غيرنا، ويكفينا أننا أول من سيجعل للاقتصاد الإسلامي عاصمة.