من جديد، تصدمنا الأرقام والتقارير، وبعد أن نكون قد اقتنعنا أو أقنعنا أنفسنا بأننا أصبحنا في الصفوف الأولى، تعيدنا التقارير والأرقام إلى أرض الواقع، وتحبط آمالنا وتصوراتنا. ومن جديد نتحدث عن التعليم الذي نعتقد أنه الرافعة الأولى لنهضة أي أمة، وهذه حقيقة لا يمكن أن يختلف عليها اثنان، لكن النتائج تصدمنا عندما نتحدث عن التعليم في عالمنا العربي، الذي كلما اعتقدنا أنه تقدم خطوة فوجئنا به يتراجع خطوات.

قبل أيام طالعتنا مؤسسة "بيرسون" للتعليم، وهي إحدى المؤسسات الرائدة عالميا في مجال التعليم وتقنياته، بتقرير أخرج الدول العربية مجتمعة من قائمة أفضل أربعين دولة متقدمة تعليميا، في حين تصدرت فنلندا قائمة أكثر الدول اهتماما بالتعليم، وهو الشيء نفسه الذي سبق أن أكدته الدراسة التي أجراها البرنامج الدولي للتقييم الطلابي "بيسا" على طلبة من أربعين دولة في العالم، حيث وضعت النتائج فنلندا على رأس هذه الدول، مؤكدة أنها تمتلك أفضل نظام تعليمي في العالم، متقدمة على الأنظمة التعليمية في دول كبرى وعريقة، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وكندا.

حين نتحدث عن أفضل نظام تعليمي في العالم، فإن أول ما يتبادر إلى ذهننا ميزانيات ضخمة تسد وجه الشمس، وساعات دراسية طويلة يقضي الطالب فيها يومه من بزوغ الفجر وحتى الغروب، ومناهج دراسية صعبة عكف على وضعها جهابذة الأكاديميين والموجهين الأوائل، وأساتذة ومدرسون شاب شعرهم وهم ممسكون بالطباشير والدفاتر والأقلام، يحضّرون الدروس لطلابهم آناء الليل وأطراف النهار، وتعليم خاص يستنزف من أولياء الأمور أموالا لا حصر لها.

لكن واقع التجربة الفنلندية يقول عكس هذا تماما، ويثبت فشل هذه النظرية التي ما زلنا متمسكين بها عاكفين على تنفيذها، في الوقت الذي تتراجع فيه مخرجات التعليم لدينا عاما بعد عام وتزداد مشاكله، وتتسع مساحة معاناة العاملين فيه والمتعاملين معه.

في فنلندا يُعتبَر ما تصرفه الحكومة على التعليم، أقل بكثير مما تصرفه دول أخرى ذات اقتصاديات أكبر وأنظمة تعليمية تنافس نظام التعليم في فنلندا، علما بأن التعليم في فنلندا حكومي، حيث لا تشجع الحكومة الفنلندية على إنشاء المدارس الأهلية إلا في أضيق الحدود، ولا تعطي تراخيص لإنشائها إلا وفق شروط صعبة، ولا تسمح لها بأخذ مقابل مادي للدراسة فيها من قبل الملتحقين بها، علاوة على أن الحكومة تقدم لها مساعدات مالية، وتلزمها باتباع نظام المناهج الحكومية، وهي على أي حال قليلة العدد، وتعتبر من مخلفات نظام التعليم القديم.

أما من حيث ساعات الدراسة، فإن الطالب الفنلندي يقضي داخل المدرسة وقتا أقل في المتوسط من نظيره في الدول الأخرى، فالتعليم ما قبل المدرسي في فنلندا نادر، وفي حين يلتحق الطلبة بالمدارس في أغلب دول العالم في سن الخامسة، فإن الطالب الفنلندي يلتحق بالمدرسة في سن السابعة، ويقضي في المدرسة نصف يوم، على خلاف الدول الأخرى، ويتمتع بفترات عطلة أطول من فترات عطل غيره، حيث تصل مدة العطلة الصيفية وحدها في فنلندا إلى عشرة أسابيع.

 وعلى وجه العموم، فإن عدد الساعات الدراسية التي يتلقاها الطالب الفنلندي، يصل إلى 5500 ساعة سنويا، وهي أقل بكثير عن عدد الساعات التي يتلقاها الطالب في كوريا الجنوبية على سبيل المثال، وتصل إلى 8000 ساعة سنويا، وفي حين يقضي الطالب الكوري الجنوبي 10 ساعات أسبوعيا في حل الواجبات المدرسية، فإن الطالب الفنلندي يقضي 5 ساعات فقط أسبوعيا في حل هذه الواجبات.

ومن حيث المناهج الدراسية، فإن هناك إطارا عاما تحدده الوزارة، وتترك للمدارس الحرية الكاملة في اختيار الكتب المدرسية المستخدمة، طالما التزمت بهذا الإطار.

وقد أفسحت المدارس للمعلمين والمعلمات هامش حرية واسعا للتصرف في المنهج الدراسي، ومنحتهم الثقة الكاملة في اختيار ما يريدون أن يعلموه للطلاب، مع المحافظة على المعيار الذي وضعته الوزارة للمناهج.

لذلك يرفض المدرسون المنهج المكتوب، ويقومون هم باختيار موضوع الدراسة التي تستغرق سبعة أسابيع، ويشركون معهم الطلبة في الاستكشاف والتجريب والاستعانة بالموسوعات المختلفة وجمع النتائج، ليخرجوا في النهاية بحصيلة معرفية شارك الجميع في الوصول إليها، واستمتع الجميع بهذه المشاركة.

أما الامتحانات فلا وجود لها في فنلندا تقريبا، ولا يسمح بعد السنة الخامسة بوضع درجات للطلاب ولا المقارنة بينهم، وإنما هناك طرق خاصة للتقييم، تُستخدَم نتائجها لتوزيع الطلبة على التخصصات في الجامعات بعد انتهاء مرحلة التعليم الثانوي والمهني.

ويبقى العامل الأول والأهم والأكبر في العملية التعليمية، وهو المدرس الذي يلقى في فنلندا كل الاهتمام والتقدير المادي والمعنوي، ويتم اختياره بعناية فائقة، فمعلمو الابتدائية، على وجه الخصوص، يتم اختيارهم من بين أفضل الحاصلين على الدرجات في الثانوية، والمتقدمون للالتحاق بكلية المعلمين لا يفوز منهم بفرصة الالتحاق بها سوى 10% من مجموع المتقدمين، والذي يحظى بشرف العمل مدرسا في المرحلة الابتدائية، لا يستطيع الاحتفاظ بوظيفته إلا إذا حصل على درجة الماجستير، وغالبا ما يحمل الكثير منهم درجة الدكتوراه.

وبعد هذا نسأل لماذا تُخرِج التقارير الدول العربية من قوائم الدول المتقدمة تعليميا، ولماذا تتصدر فنلندا هذه القوائم، وتحتل دائما مراكز متقدمة في كل الإحصاءات والتقارير والدراسات، ليس في مجال التعليم فقط، وإنما في جميع المجالات؟!