منذ ما يزيد على العامين بقليل، تجتاز العالم العربي أصداء أحداث انطلقت من تونس. استخدم العديد من المراقبين تعبير "الربيع العربي" في تحليلاتهم، بعد أن كانوا قد شخّصوا بتعجّل ودون تبصّر، أن الصدمة ستنتقل آليا من بلد إلى آخر، واعتقدوا أنهم أمام ثورات تجتاح الشرق الأوسط، ولكن خفّ حماسهم أمام واقع وصول الإسلاميين إلى السلطة.
مع ذلك لا يمكن اختزال ما جرى إلى هذا النوع من التبسيط، فليس من السهل فكّ حقيقة الأوضاع المتشابكة، ولكل حركة من الحركات السياسية والاجتماعية الجارية مسارها المتعرّج الخاص بها، وبالتالي لا يمكن اختزال أي منها إلى ما عرفته حركة أخرى.
فإذا كان جدار الخوف قد انهار في الشرق الأوسط، فإنه لن يبقى أي شيء كما كان سابقا. وسيكون مجرّد أوهام، الاعتقاد أنه يمكن رفع التحديات المطروحة بسرعة، ذلك أن فترة الاضطراب الحالية قد تستمر لسنوات. وهناك أربع ملاحظات تمكن صياغتها حول المشهد السياسي العربي، الذي هو بصدد البروز.
تكمن الملاحظة الأولى في تأكيد ثبات الدول ـ الأمم في المنطقة. وقد تمّ غالبا النظر الخاطئ إلى دول الشرق الأوسط، على أنها بمثابة كيانات اصطناعية خلقها مسار الاستعمار ثمّ جلاؤه.
وعلى العكس أظهرت المسارات السياسية خلال الأشهر الأخيرة، وفيما هو أبعد من النقاط المشتركة الكامنة وراء أسباب الانتفاضات الشعبية، أن كل كيان وطني ردّ تبعا لتاريخه الخاص ولموازين القوى داخله ولمكوّناته السكانية أو القبلية أو الطائفية. هكذا بدت النزعة القومية العربية التي جسّدتها فترة جمال عبد الناصر تنتمي للماضي.
الملاحظة الثانية تخص الإسلام السياسي. وقد لوحظ أنه لم يلعب دورا حاسما في المرحلة الأولى في أي بلد من البلدان العربية التي عرفت احتجاجات.
وأنصار هذه الإيديولوجية التحقوا بحركات لم يكونوا يسيطرون عليها ولم يكونوا المبادرين بها، لكن بدا أن الوضع قد تغيّر كثيرا فيما بعد مع الانتصار الانتخابي للإسلاميين في تونس ومصر. ومع ذلك لا ينبغي الانسياق وراء منظور تفسير خاطئ لا يأخذ بالحسبان تعقيد الأوضاع.
وهذا التيار يعرف تنوعا كبيرا في مكوناته وفي مشاريعه السياسية، بالمقارنة مع تلك التي عرفتها سنوات الثمانينات والتسعينات المنصرمة. ومن الصعب اليوم تقدير التطورات التي ستعرفها الحركات التي تنضوي تحت هذه الإيديولوجية، وما إذا كانت سوف تقبل الممارسات الديمقراطية أو أنها سوف تنجرف نحو التسلّط الاستبدادي؟
الملاحظة الثالثة تخص تطوّر موازين القوى التي ترتسم على المستوى الإقليمي. التغيّر على هذا الصعيد يجري ببطء كبير، لكن يمكن مع ذلك تمييز بعض التوجهات التي بدت ملامحها عبر حالة الانقسامات داخل الجامعة العربية، حيث حاول بعض الدول تأكيد دورها عبر سلسلة من المبادرات الدبلوماسية، بل والسياسية في منظور تثبيت أنها قوى فاعلة في النظام الإقليمي.
وفي سياق إعادة رسم موازين القوى الإقليمية، هناك دولتان تسعيان إلى تعزيز موقعهما الإقليمي هما تركيا وإيران، من منظور إقامة أوضاع تخدم مصالحهما. وهذه المصالح تبقى باستمرار هي العنصر الحاسم في رسم موازين القوى الإقليمية في أيّة منطقة من العالم.
الملاحظة الرابعة والأخيرة، تتعلّق بردود الأفعال التي قامت بها المجموعة الدولية حيال الأوضاع المستجدة في العالم العربي. ومرّة إضافية أظهرت هذه المجموعة الدولية حدود قدراتها على التحرّك والفعل، كما أظهرت عجزها النسبي عن اتخاذ مبادرات حيال العديد من النزاعات المزمنة.
وبرز بشكل واضح أن العديد من الدول، مثل روسيا والصين وأيضا عدّة بلدان صاعدة، تنظر دائما بكثير من الحذر حيال التطلعات التي تبديها القوى الغربية نحو التدخل في شؤون البلدان الأخرى، خاصّة أن مواقفها أمام الأزمات وحيال الدول، تتسم بتبنّي مبدأ "المعيارين والمكيالين" الذي لا يزال سائدا في مقاربتها للعلاقات الدولية.
وفيما هو أبعد من هذه الملاحظات التي تدلّ بوضوح على عمق التحديات التي ينبغي على العالم العربي مواجهتها، فإنه ليست هناك مع ذلك أسباب بنيوية تستدعي التشكيك في مستقبل هذه المنطقة من العالم. ثم إن مجتمعاتها تتابع تأكيد ذاتها، رغم الصعوبات التي عليها تجاوزها في السياق الإقليمي الجديد.