مخاطر لعبة المليارديرات الأميركيين

يتناهى إلى سمعي بصورة مستمرة، أن المليارديرات والشركات الكبرى الذين صبوا كل تلك الأموال في انتخابات 2012، قد استوعبوا درسهم بعد أن فقدوا أموالهم ولم يكرروا ما قاموا به مجددا، وبالتالي فلا حاجة لنا إلى إصلاح تمويل الحملات الانتخابية في أميركا.

هذا هراء محض. صحيح أن استثماراتهم السياسية لم تؤت ثمارها هذه المرة، مع أن الصندوقين السياسيين العملاقين التابعين للناشط الجمهوري كارل روف، وهما صندوق تقاطع الطرق الأميركية وصندوق استراتيجيات سياسات تقاطع الطرق، الذي يوصف بأنه منظمة للرفاه الاجتماعي غير ربحية لا يتعين أن تعلن أسماء المتبرعين لها، قد قاما بدعم المرشح الرئاسي الجمهوري ميت رومني بـ127 مليون دولار أنفقت على أكثر من 82 ألف إعلان تلفزيوني.

وأنفقت جماعات روف 51 ألف دولار أخرى، على السباقات الانتخابية لمجلسي النواب والشيوخ، وقد خسر الانتخابات 10 من المرشحين الاثني عشر لعضوية مجلس الشيوخ، الذين أيدتهم هذه الجماعات.

وتبين أن العائد على الاستثمار بالنسبة للمتبرعين من صندوق تقاطعات الطرق الأميركية، هو 1٪ فقط. وكان من بين مستثمري روف شيلدون أديلسون، الملياردير الذي يمتلك مؤسسة "لاس فيغاس ساندز"، والذي استثمر 100 مليون دولار في الانتخابات، أنفق معظمها على الجمهوريين الذين خسروا.

ولم يكن أديلسون وحده بالطبع، فقد استثمر رجل الصناعة التكساسي هارولد سيمونز 26.9 مليون دولار، واستثمر جو ريكيتس مؤسس "تي دي أميرتريد" ما يقرب من 13 مليون دولار، واستثمرت شبكة نظمها الصناعيان الثريان تشارلز وديفيد كوخ 400 مليون دولار، وتوج معظم استثماراتهم بالفشل.

ولكن إذا كنت تعتقد أن هذه الخسائر تعني نهاية الاستثمار السياسي باهظ التكلفة، فإنك لا تعرف كيف يعمل هؤلاء الناس.

إذا حدث أن فاز أحد من هؤلاء المليارديرات، فإنهم سيستعيدون ما استثمروه أضعافا مضاعفة، وسوف تنخفض ضرائبهم، والكثير من القوانين التي تكبح جماح أرباحهم (مثل القوانين البيئية التي تمنع الأخوين كوخ من القيام بالمزيد من أعمال التدني بالبيئة، وقانون الممارسات الخارجية الفاسدة الذي يحظر الرشاوى، والذي يجري التحقيق مع أديلسون لانتهاكه له) سوف تختفي، وما بقي من النقابات الأميركية لن يتدخل في شؤونهم.

وهم لديهم ما يكفي من الأموال لمواصلة الرهان حتى يفوزوا بالفعل، وهذا هو ما يعنيه كون المرء مليارديرا منغمسا في الاستثمار السياسي، فبمقدورك أن تواصل الرهان إلى أن تحقق الفوز.

وقد صرح أديلسون لصحيفة "وول ستريت جورنال" مستشرفا آفاق المستقبل، بأنه على استعداد لمضاعفة الاستثمار الذي قام به في انتخابات 2012 في الانتخابات المقبلة، وقال: "لقد تصادف أنني في خضم نشاط أعمال فريد يشكل فيه الكسب والخسارة أساس هذا النشاط بكامله، ولذلك فإنني لا أبكي عندما أخسر، فهناك على الدوام رهانات مقبلة في الطريق". وهو لا ينظر إلى الوراء متطلعا إلى خسائره، حيث يقول: "إنني أعرف أنني سوف أكسب على المدى الطويل".

تماما، لسوف يواصل أديلسون وسيمونز والأخوان كوخ وغيرهم من المليارديرات، صب أموال بقدر ما يقتضيه الأمر لكي يفوزوا، وذلك إلى أن يتم إيقافهم، ولسوف يحرص محصلو الأموال أمثال كارل روفر، على إبقائهم أمام مائدة الرهان إلى أن تنتزع منهم هذه المائدة.

والمليارديرات من المستثمرين كانوا يراهنون من أجل مبلغ صغير مقارنة بإجمالي أصولهم، وتقدر مجلة فوربس ممتلكات أديلسون بـ21.5 مليار دولار، وقد وافقت مؤسسة "لاس فيغاس ساندز" التابعة له لتتوها على مكافأة خاصة، تكفل أن يدفع له حوالي 1.2 مليار دولار في 2012، في استباق لأي زيادات ممكنة قد تسفر عنها مفاوضات الكونغرس حول الميزانية.

وفي غضون ذلك، فإنه وآخرين من المستثمرين السياسيين الأثرياء، يستفيدون من شهرتهم كلاعبين يخوضون مخاطر كبرى. وقد صرح أديلسون لصحيفة "وول ستريت بأن لديه كثيرا من الأصدقاء في واشنطن، "ولكن الأسس الكامنة وراء ذلك ليست مظهري الأنيق وجاذبيتي، وإنما شخصية جيبي"، وذلك في إشارة لاستثماراته السياسية.

ويضمن له إصراره على مواصلة الرهان، أن أصدقاءه في واشنطن سيواصلون إبداء الاهتمام به.

وقد التقى مؤخرا بصورة منفصلة، مع رئيس مجلس النواب جون بوينر وزعيم الأغلبية إريك كانتور(استثمرت عائلة أديلسون 10 ملايين دولار في صندوق مرتبط بحملتي بوينر وكانتور)، ربما لمناقشة التغييرات في قانون الممارسات الخارجية الفاسدة.

ومع المزيد من تركز الثروة في أميركا، فإن المستثمرين السياسيين من مليارديرات أميركا، سيستثمرون أكثر فأكثر.

والخسائر التي منوا بها عام 2012 لن تردعهم، فالديمقراطية الأميركية لا تزال معروضة للبيع مقابل أعلى سعر، وقد أنفق مبلغ قياسي يصل إلى 6 مليارات دولار على حملة 2012، صبت الجماعات الخارجية منها 1.3 مليار دولار، بحسب المعلومات المستقاة من اللجنة الخارجية للانتخابات ومركز السياسة الاستجابية.

وهذا هو السبب في أن قضية "المواطنون المتحدون ضد اللجنة الفيدرالية للانتخابات"، لا بد من إعادة النظر فيها، إما عن طريق المحكمة الأميركية العليا التي تصبح مدركة للسم الذي يجري نشره في عروق الديمقراطية الأميركية، أو من خلال تعديل الدستور الأميركي.

وهذا هو السبب أيضا في أننا بحاجة إلى قانون يخول الكشف التام عمن دفع ماذا ولمن، والتمويل العام الذي يعادل المال العام للمساهمات من صغار المتبرعين.

والأمر الأكثر جوهرية، هو أن هذا هو السبب في أننا لا بد أن نتصدى لكارثة اللامساواة الآخذة في التفاقم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات