من المعلوم بالضرورة أهمية اللغة في إثراء مسيرة الحضارة الإنسانية ودورها المهم في بنائها، وما كان للغة من دور في تلاقح الفكر الإنساني والتبادل الثقافي، وبقيمتها في التعبير عن الضمير الإنساني بما يحويه من صور ذهنية وخيالية، كما أوضح ذلك ابن خلدون في مقدمته.

ولأن الحفاظ علي اللغة العربية، والمبادرات التي تطرح في سبيل ذلك، والمناداة بأن نلتفت إلى أهميتها، والمكانة التي يجب أن تكون عليها - وهي التي تنسب الأرحام على أساس منها - لا يكون إلا عندما نستشعر الخطر المحدق بها، في ظل تباعد يزداد يوما بعد يوم بينها وبين أبنائها، وفي ظل حالة من العولمة اختزلت عدة لغات، مثل العربية والفرنسية والألمانية، لصالح تكريس لغة واحدة وهي الإنجليزية.

لقد استوقفتني حملة أطلقها طلبة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا بعنوان "لغتي هويتي"، والتي تؤكد على أهمية أن نبدأ من المراحل السنية الأولى لترسيخ قيمة الحفاظ على اللغة العربية، على النحو الذي يفجر طاقات أبنائها في كل مجالات الإبداع. فتدريس اللغة لا يعني فقط استخدامها في التواصل، ولكن يعني أن يكون لها الدور الأكبر في تشكيل الهوية وتعميقها، عبر معرفة الفرد لحقيقة ذاته ثم تواصله مع محددات البيئة من حوله، وعبر الموروث الثقافي.

إنني أتعجب حين يحاضر بعض العرب فيجد اللغة الأجنبية طيعة على لسانه، وعندما يحاول أن يتحدث العربية تجده يتعثر كمن يسير فوق رؤوس الأحجار، ويستعين بمن حوله حتى يكمل جملة واحدة دون أخطاء، على الرغم من أن العربية أرحب وأوسع لغات الأرض وأكثرها مرونة، كما أنه لا ينبغي اعتبار إجادة اللغات الأجنبية هي المفتاح السحري لفتح أبواب العمل، وهي المعيار الأوحد للكفاءة بعيدا عن المعايير الحقيقية، حتى لو لم تكن مقتضيات العمل تتطلب ذلك.

إن دولة مثل روسيا توصي حكومتها بتضمين تدريس اللغة العربية في بعض مدارسها، في حين تنحسر بين أبنائنا بدعم من الأسر التي تحرص على أن يجيد أولادها اللغات الأجنبية، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عن مدى إجادتهم للغة العربية بشكلها الصحيح. وهذه المعضلة تظهر بشكل أكثر وضوحا عندما يعاني طالب الجامعة عند كتابة فقرة لها معنى، دون أخطاء لغوية.

وإذا قلنا إن الهوية واللغة هما وجهان لعملة واحدة، فإنني أعتبر أن اللغة العربية هي الوجه الأول لهذه العملة التي تنعكس من خلالها الهوية، لأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال "ليست العربية لأحدكم بأب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي".

إن عدد الذين يعتبرون اللغة العربية لغتهم الأم يتجاوز ثلاثمائة مليون شخص، وعلى قدر ما بين هؤلاء من ارتباط وتعاون يكون قدر توثيق اللغة العربية، كما أنها اللغة السادسة في العالم من حيث عدد المتحدثين بها. وإذا أردنا أن نربط أبناءنا بلغتنا وأن تكون هويتهم التي يعتزون بها بحق، ليس في بلادهم فقط ولكن في أرجاء الدنيا، علينا أن ننتج نحن المعرفة بلغتنا، فلا توجد دولة حققت تقدما على سطح الكرة الأرضية بلغة غير لغتها الأصلية، لأنها قبل أن تكون لغة الكتابة والتدوين هي لغة التفكير والإبداع، ويعز على كائن من كان أن يبدع بلغة غير لغته الأصلية.

وإذا كانت اللغة تعبر عن الهوية حقا، فلا يجب أن نتغافل عن الاهتمام بها عند الصغار ثم نتباكى عليها عندما يكبرون، وكأننا كنا ننتظر منهم غير ذلك وعوامل التدعيم البيئي للغتهم الأم شحيحة، بل تذهب بهم بعيدا إلى الضفة الأخرى من البعد بينه وبين لغته.

إن السبيل إلى تعزيز مكانة اللغة العربية لدى أبنائنا، صغارا وناشئة وشبابا، لن يأتي من البيئة المحيطة وفقط، ولكن من الداخل؛ من قدرتنا على أن نجعلهم يحبونها، ولن يأتي هذا الحب إلا عبر الفهم والاستمتاع بها، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال إعداد جيد في مراحل السنوات الدراسية، حين يتم الانتقاء بعناية لمعلم قادر على أن يجعل من درس اللغة العربية الساعة المحببة، عبر التبسيط، وتطوير الأداء، واستخدام المعينات التعليمية، التي تركز على الدور الوظيفي للغة، عبر المواقف العملية التي توضح كيف يتم توظيف اللغة من خلالها، بعيدا عن القواعد المجردة التي لا يدرك التلميذ أهميتها وكيفية استخدامها.

ولا شك أن بناء الحس اللغوي يمكن اكتسابه عبر التدريب المتواصل، وأن يتم الاهتمام بتكوين جمعيات محبي اللغة العربية والخطابة والصحافة المدرسية، التي تمثل البيئة الحقيقية لإظهار المواهب اللغوية، والتي تزيد التنافس بين الطلاب في اكتساب المهارات اللغوية.

ولأن البنيان لا يبلغ تمامه حين تبني وغيرك يهدم، من هنا كانت مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، للتمكين للغة العربية، صورة ناصعة لتهيئة البيئة المتكاملة، بحيث تتناغم الجهود وتتكامل للوصول إلى الغاية، وهي بناء جيل يعتد بلغته، ليس فقط لأنها لغته ولكن لأنها الأقدر على تلبية احتياجاته، كما أنه لا يشعر بالغربة النفسية حين يتمسك بها حديثا وكتابة.

لذلك من الأهمية بمكان أن تكون الأدوات والمؤسسات الثقافية، ومنها الإعلام، عنصرا داعما للغة منذ الصغر، بعيدا عن برامج الأطفال وأفلام الكارتون المغرقة في العنف اللفظي، أو الذهاب به بعيدا في حكايات خيالية تستخدم لغة بعيدة عن الواقع المعاش فلا تضيف إليه ما يعتد به. وحتى القنوات المعنية بتقديم برامج للأطفال، أسماؤها ليست عربية فكيف يكون المضمون.. على الرغم من أن وسائل الإعلام في عصر البث الأرضي والنسخ الورقية فقط من الصحف، كان لها أثر لا يمكن نسيانه في نشر اللغة العربية.

إن اللغة لعربية هي عنوان العروبة، وهي رمز هويتنا واستقلالنا الثقافي، في عالم تتعالى فيه صيحات العولمة والاعتداء على خصوصية الشعوب. وهنا يجب على كل المعنيين، والمهمومين، والمهتمين، والمواطن أيا كان مكانه ومهما كانت حدود مسؤوليته، إدراك أن التمسك باللغة العربية الصحيحة والمبسطة، هو خط الدفاع الأخير عن هذه الهوية.