في الوقت الذي كان فيه أكثر من ملياري مشاهد حول العالم يتابعون، عبر ألف محطة تلفزيونية، احتفالات دبي بالعد التنازلي للعام الجديد 2013، وبينما كانت الألعاب النارية تحيط "برج خليفة" بألوان علم الإمارات الأحمر والأخضر والأسود، حيث توافد إلى مكان الحدث، واجتمع حول أطول مبنى في العالم، أكثر من مليون زائر..
في هذا الوقت كنت أحلق بعيدا، مستذكرا الرحالة الغربيين الأوائل الذين وفدوا إلى هذه البلاد عندما كانت صحراء تلهب رمالها الأقدام، وتحرق شمسها الوجوه، وتخترق رياحها مسام الجلود فتحيلها من الحُمرة إلى السُّمرة.
تساءلت ساعتها عن الأسباب التي أغرت أولئك القادمين من الغرب المتمدن، بالإيغال في صحرائنا القاحلة، وعما إذا كانوا جواسيس فعلا كما وصفهم البعض، أم أنهم مجرد محبين للمغامرة والترحال والاستكشاف كما وصفهم البعض الآخر، أم أن ثمة أهدافا بعضها معروف، وبعضها يحيط به الغموض، هي التي دفعتهم إلى قطع كل تلك المسافات وارتياد البحار، للوصول إلى الأرض التي كانت لغزا يحاولون فك طلاسمه، لمعرفة ما وراء حكايات "ألف ليلة وليلة" التي ألهبت خيالهم، مثلما ألهبت رمال الصحراء أقدامهم ولوّحت رياحها وجوههم!
لقد أوغل في صحرائنا على مدى قرون من الزمن العشرات، وربما المئات، من المكتشفين والرحالة الغربيين، سجل العديد من الذين كُتبت لهم النجاة منهم، انطباعاتهم عن الأرض والبشر الذين عاشوا عليها، فجاءت هذه الانطباعات مختلفة ومتباينة.
ولئن كانت قد توفرت لأولئك الرواد ظروف خلقت لهم جو الإثارة الذي كانوا يبحثون عنه، فإن تلك الظروف لن تتوفر للذين يفكرون الآن في ارتياد ما تبقى من تلك الصحارى والدروب مرة أخرى، واقتفاء آثار أولئك الرحالة الأوائل، ذلك أن الكثيرين، كما يقول الرحالة البريطاني ويلفريد تيسيجر "سيأتون لدراسة الجزيرة العربية، لكنهم سوف يتنقلون بالسيارات، وسيظلون متصلين عن قرب بالعالم الخارجي عن طريق الراديو حيث لم تكن الهواتف النقالة قد ظهرت بعد حين قال ذلك وقد يعودون بمعلومات عظيمة القيمة، أعظم قيمة مما فعلت، ولكنهم لن يعرفوا أبدا روح هذه الأرض، ولا عظمة العرب".
لقد جاء "تيسيجر" المعروف باسم "مبارك بن لندن"، بعد الحرب العالمية الثانية، ليقوم بعبور صحراء الربع الخالي، بادئا رحلته من صلالة إلى ليوا، ومنها إلى المكلا، في طريق شبه دائرية.
وقتها لم تكن هنا عمالة وافدة، كما هي الآن، كي ترافق "تيسيجر" في رحلته، فاصطحب معه أربعة من أبناء الإمارات كانوا متمرسين في عبور الصحراء، وقد سبق لأحدهم أن اجتاز الربع الخالي وحيدا دون مرافق، فأبلوا معه بلاء حسنا.
وكانت صحبة هؤلاء الرجال ومحاولة فهمهم كما يقول "تيسيجر" نفسه أهم ما يعنيه من رحلته، وقد أحس بانجذاب حقيقي نحوهم، وتعاطف وجداني مع أسلوبهم في الحياة.
لذلك عندما ألف كتابا عن سيرته الذاتية اختار له عنوانا معبرا، فأطلق عليه "حياة من اختياري"، في إشارة واضحة إلى الهدف الذي سعى إليه من ارتياد الصحراء، حيث يتصرف الناس على سجيتهم، وحيث لم تلوثهم المدنية بعد.
وإلى ذلك أشار صراحة حين قال: "كم كنت أحن إلى الماضي وأكره الحاضر وأرتعد من المستقبل، بينما ناقتي تتأرجح بي ساعة بعد ساعة وهي تزحف للأمام ببطء، كأنما ترتقي سلما في اتجاه أفق يصعب تحديد خيوطه".
ثم ينتهي إلى تقويم ما قام به قائلا: "ومع ذلك فقد تبدو رحلاتي للآخرين وكأن لا أهمية تذكر لها، فهي لا تقدم أكثر من خريطة دقيقة لا يُحتمَل في الغالب أن يستخدمها أحد.
إنها مجرد تجربة شخصية، وكانت مكافأتي كأسا من الماء النقي لا طعم له ولا رائحة، وأنا قانع بذلك راضٍ تمام الرضى".
ما بين زيارة "ويلفريد تيسيجر" الأولى لأرض الإمارات، واحتفالات "برج خليفة" بالعد التنازلي لعام 2013 أكثر من ستة عقود، تغير خلالها وجه الحياة على أرض الإمارات، ولم يعد ارتياد الصحراء سوى واحد من البرامج التي تنظمها الشركات السياحية، لأولئك الذين ما زالت تعيش في مخيلتهم صورة الصحراء التي وصفها الرحالة الغربيون في كتبهم، لكنها ما عادت تلك الصحراء التي أوغل فيها وغاص في رمالها أولئك الرحالة، بعد أن أصبحت وسيلة الوصول إليها السيارات ذات الدفع الرباعي، وأهم فقرة في برنامج زيارتها ركوب جمل مستأنَس.
وحفلة شواء لم يحلم بها "مبارك بن لندن" ورفاقه الذين مروا من هنا ذات يوم، ولم يتوقعوا أن تتحول تلك الرمال التي غاصت فيها أقدامهم إلى طرق مرصوفة تجري عليها أحدث أنواع السيارات، وأبراج عالية تنافس أبراج البلدان التي قدموا منها، ومراكز تجارية يؤمها ملايين المتسوقين من شتى أنحاء العالم سنويا.
في الوقت الذي كان فيه أكثر من ملياري مشاهد حول العالم يتابعون، عبر ألف محطة تلفزيونية، العرض الساحر الذي بهرت به دبي الجميع، تمنيت لو أتيح للرحالة الأوائل أن يطلوا على المشهد ليروا كيف يصنع الرجال المعجزات، وكيف استطاعوا أن يحولوا تلك الصحراء إلى مدن مزدهرة.
وإذا كان لأولئك الرحالة عذرهم في الغياب عن المشهد، لأن الموت قد غيبهم، فأي عذر لهؤلاء الذين يرون اليوم "برج خليفة" الرمز وليس مجرد المبنى، ولا يدركون الفرق بين القادة الذين يقيمون دولا في أرض كانت ذات يوم صحراء قاحلة، وبين أولئك الذين يطيحون بدول كانت قائمة في مدن مزدهرة، تماما مثلما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في إحدى تغريداته على الوسم الذي أطلق عليه سموه "من مفكرتي"؟