مسكين هو "الجيل الجديد" أينما كان وفي أي مجتمع نشأ وفي أي زمان عاش، فهو رهين نظرة مجتمعية تحاول حصره ضمن أطر محددة لا يتحرك إلا من خلالها، ورهين ثقافة معلبة مفروضة عليه من قبل جيل أقدم منه، يملك السلطة والقوة والنفوذ. الجيل الجديد مغيب أحيانا من قبل جيل يستمد سيطرته من ثقافة متوارثة، أعطته هذا الحق تماما، كما أعطت أجيالا أخرى من قبله.
إنها الثقافة المجتمعية التي تحكم أي مجتمع وتسيره؛ الجيل المخضرم يرى في الجيل الجديد تحديا كبيرا، والجيل الجديد يرى في القديم تحديا أكبر وعبئا فكريا ثقيلا.
صراع الأجيال موجود في كل مجتمعات العالم، ولكنه في مجتمعنا يكتسب قوة طاغية ونفوذا قويا وسلطة أكبر، بحكم الظروف المجتمعية السائدة والعادات الاجتماعية الموغلة في القدم، والمستمدة من القيم الدينية والقبلية، كقيم الطاعة والولاء واحترام الكبير والمسن، وولي الأمر ولصاحب السلطة.
هذا الأمر يفاقم قضية صراع الأجيال وينقلها إلى ساحة كبيرة لا حدود لها. إفرازات هذا الصراع كثيرة ومتعددة وخطيرة، ولكن قد يكون التطرف الفكري والغلو أبرزها.
صراع الأجيال متعدد الجوانب، فالجيل القديم يريد أن يخطط لمستقبل الجيل الجديد بطريقته؛ يخطط لتعليمه ولثقافته، وللنظم الاجتماعية التي سوف تحكم حياته ومستقبله، بل وحتى طرائق تفكيره وإبداعه.
الجيل القديم يضع الاستراتيجية تلو الأخرى والمشروع الثقافي تلو الآخر، مقتنعا بأن التخطيط الجيد للمستقبل ضروري، غير آبه أو مدرك أحيانا لأنه ربما تتغير الظروف تغيرا جذريا ويذهب كل ذلك التخطيط أدراج الرياح، إن لم يتم بدقة واتقان.
في تعاملنا مع الجيل الجديد، جيل الشباب، ندرك أنه مختلف عنا كثيرا في طريقة تفكيره، وفي طريقة تعامله مع تحديات العصر، وفي طريقة استخدامه وتعاطيه مع التقنيات الحديثة، بل حتى في نظرته إلى الأمور والمسائل الجوهرية التي تمس حياته مباشرة.
ولكن على الرغم من ذلك الفهم والإدراك، إلا أننا لا نعلق كثيرا على تلك الفوارق الفعلية التي تفصل بين الأجيال. فتجدنا نضع له الاستراتيجيات المستقبلية، ونخطط له حياته على طريقتنا، نعلمه ونثقفه على مزاجنا، ونتهمه بالسطحية إذا ما جهل أمورا أو حللها على طريقته هو.
نتوقع منه أن يعرف كل شيء عن محيطه، أو على الأقل جزءا كبيرا مما يدور فيه، جاهلين أننا في مرحلة سابقة كنا مثله، رافضين للهيمنة الثقافية والفكرية من قبل الجيل الأقدم، ومتمردين على كل القيود المفروضة علينا، ورافضين كل الثقافات المعلبة والمرسومة التي وضعت لكي تحكم حياتنا.. إنها سنة الكون وقانون التغير الذي يأبى أن يفارقنا.
مؤخرا، جمعنا أحد اللقاءات الثقافية العلمية التي تحاول الغوص في أعماق الثقافة الوطنية، لتحديد مقوماتها بغية الوصول إلى "استراتيجية مستقبلية" واضحة المعالم للثقافة الوطنية. تطرق النقاش أولا إلى مفهوم الثقافة الوطنية ومقوماتها، ثم إلى التحديات الكبيرة التي تواجهها اليوم، قبل أن يتطرق النقاش إلى الأطر العامة التي تحكم مثل تلك الاستراتيجية.
الثقافة الوطنية بالطبع معتمدة على أسس ثابتة، وهي اللغة والدين والعادات والأعراف الاجتماعية وطرائق التفكير وأنماطه، وغيرها من المقومات. بعض من تلك الأسس ثابت والبعض الآخر متغير، حسب الزمان والمكان. وعلى الرغم من القول بأن كلمة "استراتيجية" عادة ما يسبقها حوار ساخن واختلاف فكري عميق، وتنافس حاد بين مختلف الأطياف والآراء، إلا أن هذه المرة سبقت كلمة "استراتيجية الثقافة الوطنية" رغبة عارمة وقوية، وإجماعا كبيرا على أهمية وجودها وإقرارها.
ولا شك أن الشعور بالحاجة إلى وجود مثل تلك الاستراتيجية والحماس لذلك المشروع الثقافي، مرده ليس فقط المسؤولية، ولكن الحيرة التي يشعر بها الجيل الجديد ونستشعرها جميعا. فالجيل الحالي يشعر بالمسؤولية الجزئية عما حدث من تشويه وانجراف وتغير في الثقافة المجتمعية، وبالتالي يشعر بالذنب تجاه الجيل الجديد.
من ناحيته، يشعر الجيل الجديد، أو جيل الشباب، بالقلق وأحيانا بالضياع في هذا الجو المشبع بأجزاء متنوعة من ثقافات عدة، يبحث عن ثقافته فلا يجدها، ويبحث بالتالي عن ذاته فلا يجدها.
قلقه يدفعه للبحث عن الأمان الذي لا يجده إلا في اعتناق إيديولوجية معينة، وغالبا ما يتجه نحو الدين عله يجد ما يفتش عنه. فلا غرو أن نشعر جميعا بأن العالم مقبل على مرحلة متطرفة من إيديولوجيات وعقائد متطرفة، تعطي الفرصة للغلو لكي يبرز. فليس المسلمون فقط هم من يشهد تيارات غلو وتطرف، بل أصحاب كافة الديانات السماوية والوضعية.
في هذا الجو المضطرب، سعت كل المجتمعات إلى تبني استراتيجيات معينة تحفظ لها ذاتها وكينونتها. وإذا كان الخوف والقلق كبيرا في المجتعات ذات الأغلبية السكانية الهائلة والثقافات المتجانسة، فما بالك ونحن أقلية سكانية صغيرة، وبحر متلاطم من الثقافات المختلطة؟
في الاعتقاد أننا نحن أولى من غيرنا بتبني استراتيجية للثقافة الوطنية، يكون همها الأول انتشال ثقافتنا الاجتماعية من تلك الأطر التقليدية المعلبة، ورفعها من رفوف المتاحف وساحات الميادين الرياضية، إلى الساحة الفكرية التي تبث فيها الروح وتحفظها من الاندثار.
بالتأكيد يمكن لثقافتنا الاجتماعية، والتي تملك مخزونا كبيرا من الغنى والتنوع، الصمود ومواجهة كافة أشكال المنافسة الشرسة لو تمت حمايتها. هذا ما تهدف إليه تلك الاستراتيجية الوطنية المنشودة، فهي تحاول توفير الأطر الاجتماعية والثقافية المناسبة لها، لكي تبرز وتتطور وتصبح قادرة على الصمود في وجه التحديات.
إننا لا نريد ترك الحبل على الغارب لثقافات الأقوى لكى تتصدر وتتسيد، بل نريد أن نأخذ بزمام الأمور ونحمي ثقافتنا، بمساعدة قوية من الجيل الجديد المعني بهذه المتغيرات جميعها، فلا نجاح لاستراتيجية لا تأخذ في الاعتبار تلك الفوارق الموجودة بين الأجيال.