انطوى عام 2012 الذي يعتبر بحق عام الأزمات في العراق، وعلى عتبة العام الجديد الذي يستقبله العديد من شعوب العالم بالتفاؤل وبالكثير من الآمال والتطلعات، يضطر المواطن العراقي خارج إقليم كردستان، في أجواء اليأس والقنوط المحيطة به، إلى حصر آماله في دائرة ضيقة، وهي ألا تنحدر حالة الأوضاع التي يعيشها إلى أسوأ مما هي عليه.

ولا مفر أمام المتابع للشأن العراقي وهو يرصد مآزق لا تعد ولا تحصى، تكبر وتصغر حسب مزاج الفرقاء المنخرطين في العملية السياسية بتخطيط أو بعشوائية، وتنتقل بشكل تصاعدي من أزمة إلى أزمة أخرى أكثر خطورة، سوى الاستنتاج بأن العراق يواجه محنة حقيقية، توشك أن تعصف بكيانه وتؤدي إلى تشرذم أبنائه.

فالربابنة الذين يمسكون بدفة سفينته، لم يتعلموا من فنون السياسة سوى التنكر للمعنى الحقيقي للوطنية، لأنهم لم ينخرطوا في تنظيمات سياسية تذوب فيها الانتماءات الثانوية لصالح الوطن العراقي، بل انتموا إلى تنظيمات أخرى تكرس الفرقة، فبرعوا، بسبب هذه الانتماءات، في تكريس عداوات لا تعود إلى الحاضر، من خلال الإصرار على إعادة عرض صفحات ماض عتيق، وعتيق جدا، كتبت بطرائق فيها الكثير من الالتباس، وطرحها في حاضر لم يعد يتقبل النظر في صفحات كهذه، وأثبتوا على مدى السنوات العشر المنصرمة، أنهم مثال نموذجي للفشل والإخفاق.

فمنذ رحيل القوات الأميركية عن العراق نهاية ديسمبر من عام 2011، بدأ الوضع السياسي في التردي، وبدأت الأزمات تتوالى، وبدأ السلم الأهلي يتعرض لأشد أنواع التهديدات، من قبل فرسان العملية السياسية أنفسهم، وليس الجمهور الواسع الذي يبدو أنه حتى الآن لم يستطع الإفلات من حبائلهم، لينتقل إلى صحوة هو أحوج ما يكون إليها للخلاص.

هذه المقدمة تقودنا لتسليط الضوء على الأحداث الأخيرة الخطيرة، التي اندلعت بعد يوم واحد فقط من نقل الرئيس العراقي جلال الطالباني إلى ألمانيا، إثر إصابته بجلطة دموية. اندلعت هذه الأحداث في عدد من مدن محافظة الأنبار، التي أعلنت التمرد والعصيان وقطع الطريق الدولي الذي يربط بغداد مع عمان.

وقام عشرات الآلاف من أبنائها بالتظاهر احتجاجا على اعتقال عدد من أفراد حماية وزير المالية رافع العيساوي، وحملوا شعارات ورددوا هتافات تعبر عن مدى ما يحملون من ضغينة لحكومة بغداد، طارحين عددا من المطالب تتعلق بالخدمات في محافظتهم، وإطلاق سراح المعتقلين وخاصة النساء، وطالبوا باستقالة رئيس الوزراء. وعمل الوزير من ناحيته على تأجيج هذه الاحتجاجات، في خطاب شديد اللهجة ألقاه وسط المتظاهرين.

وقد انطلقت تظاهرات تضامن وتعاطف في مدن أخرى في محافظتي نينوى وصلاح الدين، كما حظيت بدعم التحالف الكردستاني الذي طالب المتظاهرين بالابتعاد عن الشحن الطائفي، وطالب الحكومة بالاستجابة لمطالبهم. من جانب آخر، اتهم رئيس الوزراء نوري المالكي، تركيا بالعمل على تأجيج النزعة الطائفية وبالوقوف وراء هذه الحملة من التظاهرات والاعتصامات.

الأزمة الجديدة تنقل للمرة الأولى الصراع بين ائتلاف "العراقية" وائتلاف "دولة القانون"، الذي تراوحت حدته بين المد والجزر، إلى الشارع ولكن في غياب زعيم العراقية إياد علاوي وبروز العيساوي كواجهة قيادية للصراع.

الشعارات التي طرحها المتظاهرون في بداية الاحتجاج، والتي تم تغييرها لاحقا، لم تخلُ من نفس طائفي لا يخدم مصلحة العراق ولا يخدم مصلحة المتظاهرين أنفسهم، لأنه لم يكسبهم التعاطف على المستوى الوطني، على الرغم من أن الأجواء مهيأة لذلك بسبب وصول الأوضاع العامة إلى درجة كبيرة من التردي.

ومع ذلك، ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد، وأن تدرس أسبابها في سياقات ما يجري على أرض الواقع الذي يختزن بؤرا شديدة الاحتقان، حيث يمكن أن تتسبب قضية صغيرة في تفجيرها، وهو ما حدث فعلا.

وتتزايد في ضوء ذلك، القناعات بعدم قدرة الحكومة الحالية على أداء مهامها وإصلاح الأوضاع المتردية، لأنها مسؤولة إلى حد كبير عن ما وصل إليه العراق، الذي أصبح "مسخرة أمام دول العالم"، باعتراف رئيس الوزراء في الكلمة التي ألقاها في السابع والعشرين من ديسمبر المنصرم، في مهرجان المصالحة والسيادة الوطنية الذي عقد في بغداد.

ليس من المتوقع أن تؤدي الأحداث الأخيرة إلى تغير في الواقع العراقي المؤلم، فلن يستقيل رئيس الوزراء، ولن يتراجع عن الإجراءات التي اتخذها، ولن تتمخض سوى عن حلول ترقيعية، إلا أنها من جانب آخر.

سيكون لها تداعيات على مستقبل العملية السياسية في محورين؛ أولهما سقوط بعض الرموز السياسية في المنطقة الغربية، الذين تباعدوا في ممارساتهم عن توقعات ناخبيهم، وأبرزهم نائب رئيس الوزراء صالح المطلق، الذي استقبل أسوأ استقبال وهو يحاول تهدئة الحشد المتظاهر. وثانيهما، وهو الأكثر أهمية، هو مستقبل رئيس الوزراء نفسه الذي تزداد عزلته.

فالتظاهرات الاحتجاجية الأخيرة في عدد من المحافظات، كانت بمثابة جرس إنذار للائتلاف الوطني الحاكم، ليعيد النظر في المسلمات التي اعتاد عليها طيلة السنوات الثماني المنصرمة من تسليم القيادة لحزب الدعوة وشخص رئيس الوزراء، الذي بدأت سياساته تعزل هذا الائتلاف عن أقرب حلفائه وهو التحالف الكردستاني من جهة، وعملت على تآكل الائتلاف نفسه بعد أن وجد رئيس الوزراء نفسه ليس في خلاف، بل في خصومة، مع أحد أقوى التيارات داخل الائتلاف وهو التيار الصدري، من جهة أخرى.

فقد أصدر الائتلاف الوطني بيانا حذر فيه من قيام انتفاضة جماهيرية مليونية، تجتاح معظم المحافظات، بسبب غياب الخدمات واستمرار الأداء السياسي السيئ للحكومة، والذي لم يرتق إلى المستوى المطلوب، خاصة بعد موجة الأمطار التي غرقت فيها العاصمة فكشفت حجم ما كان مستورا من فساد وهدر للأموال وضياع للفرص.

فالقيادات الأخرى يزداد قلقها على حال الائتلاف، خاصة مع تفرد حزب الدعوة بالحكم، وبوادر توجه زعيمه نحو نمط من إدارة الدولة يعتبره الكثيرون أشبه بالدكتاتورية، خاصة وأن انتخابات مجالس المحافظات على الأبواب، ولم يتبق الكثير على انتخابات المجلس النيابي. كما أنها مناسبة قد لا يفرط فيها التيار الصدري للنيل من رئيس الوزراء، سيما وأن هذا التيار لم يخف تعاطفه مع مطالب المتظاهرين.