في أسبوع واحد، تحولت اثنتان من أعتى جماعات المصالح في الولايات المتحدة، إلى موضوع رئيسي في الإعلام، ووجهت لهما انتقادات واسعة النطاق، وإن لم يتضح بعد تأثير مثل تلك الضجة على مستقبلهما.. الأولى هي "الاتحاد العام للبندقية"، التي تعتبر أقوى جماعات المصالح الأميركية على الإطلاق، والثانية هي لوبي إسرائيل، أقوى جماعات المصالح التي تعمل في مجال السياسة الخارجية.
فالاتحاد العام للبندقية، الداعم لحمل الأميركيين للسلاح والمعارض لأية قيود تفرض على تداول السلاح أو حمله أو الاتجار فيه، وجد نفسه فجأة في خضم سيل من الحزن والغضب، بعد جريمة قتل عشوائي ارتكبها شاب قتل أمه ثم استخدم سلاحها فقتل 20 طفلا وستة من البالغين، قبل أن يقتل نفسه..
أما لوبي إسرائيل فقد وجد نفسه أيضا محط انتقادات واسعة، بسبب الحملة الشرسة التي يديرها حاليا لمنع أوباما من ترشيح السناتور السابق تشاك هيغل وزيرا للدفاع.
فكما سبقت الإشارة في مقال الأسبوع الماضي، فإن مذبحة أطفال المدارس في نيوتاون لم تكن الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة. فهي أحد أعراض المرض المزمن الذي تعاني منه الولايات المتحدة الأميركية، أي وقوع نظامها السياسي أسيرا في يد جماعات المصالح القوية.
لكن حادث مقتل أطفال في عمر الزهور، نكأ جراح أولئك الرافضين لدور الاتحاد العام للبندقية، في منع صدور تشريعات قوية تنظم امتلاك السلاح وتداوله. لذا وجد الاتحاد نفسه محاطا بالاتهامات، فالتزم الصمت عشية الحادث ولكنه اضطر اضطرارا لمواجهة الرأي العام في مؤتمر صحفي. غير أن المؤتمر الصحفي صار هو نفسه مصدرا جديدا للغضب.
فبدلا من أن يقدم الاتحاد بعض الحلول التوفيقية ويعلن دعمه لبعض الإجراءات المقيدة، إذا به في ذلك المؤتمر الصحفي يطالب بتسليح حرس كل المدارس في طول البلاد وعرضها، "مثلما توجد حراسة مسلحة حول البيت الأبيض والكونغرس والبنوك والمطارات"!
والحقيقة أن خطاب الاتحاد في ذلك المؤتمر استخدم منطقا بالغ الغرابة، فالمتحدث باسمه قال إن المشرعين الأميركيين يكتبون قوانين لتقييد السلاح ويجعلون بعض المناطق، ومنها المدارس، خالية تماما من السلاح، "ثم يتباهون بما فعلوا ويعلنونه على أوسع نطاق".
وهذا، حسب الرجل، أمر بالغ الخطورة، لأنه "رسالة إلى كل قاتل مختل بأن المدارس هي المكان الأكثر أمنا له لارتكاب جريمته بأقل مخاطرة ممكنة". وقد استفز ذلك المنطق الكثيرين، لأنه يعتبر أن الأصل هو أن تكون المدارس مدججة بالسلاح، الأمر الذي زاد من شعور قطاع واسع من الرأي العام، بأن اتحاد البندقية يزداد تطرفا.
أما الجناح اليميني في لوبي إسرائيل والمناصر لليكود، فقد أطلق حملة بالغة الشراسة استهدفت منع أوباما من ترشيح السناتور الجمهوري السابق تشاك هيغل وزيرا للدفاع، خلفا لوزير الدفاع الحالي ليون بانيتا، وقد اتهمت الحملة هيغل بمعاداة إسرائيل ومعاداة السامية.
وكان في مقدمة المروجين للاتهامات ضد هيغل، مجلة "ويكلي ستاندارد" الناطقة باسم المحافظين الجدد. فالمحافظون الجدد، رغم انتمائهم للحزب الجمهوري، لم ينسوا لهيغل أنه كان من أكثر الأعضاء الجمهوريين انتقادا لغزو العراق. وغزو العراق كان المشروع الأساسي الذي خطط له المحافظون الجدد، واعتبروه الخطوة الأولى نحو السيطرة على الشرق الأوسط برمته.
ثم إن هيغل أيضا كان دوما من الجمهوريين القليلين الذين دعموا حل أزمة البرنامج النووي الإيراني سلميا، وهو ما يرفضه تماما المحافظون الجدد ومنظمات اليمين في لوبي إسرائيل.
لكن هيغل لم يوافق أيضا على الكثير من سياسات اليمين الإسرائيلي وانتقدها علنا، فهو على سبيل المثال، انتقد إسرائيل بشدة أثناء قصف لبنان في 2006، مطالبا بوقف "التدمير المنظم لبلد صديق للولايات المتحدة".
وهو كان قد تحدث عن قوة لوبي إسرائيل في واشنطن، بل واستخدم ذات مرة خطابا تتجنب الأغلبية الساحقة من السياسيين الأميركيين استخدامه. فهو حين سئل عن ما يقال عن ضعف دعمه لإسرائيل، قال: "أنا سناتور أميركي وليس إسرائيليا. وأنا أدعم إسرائيل، ولكن اهتمامي الأول مرتبط بالقسم الذي أؤديه على الولاء للدستور الأميركي، لا للرئيس ولا لحزب ولا لإسرائيل".
وقد رفض الكثير من المنظمات الليبرالية الداعمة لإسرائيل، الاتهامات التي وجهت لهيغل، وراحت تعلن بوضوح أن تلك الحملة لا تمثلها. لكن الأهم من ذلك هو أن عددا من الرموز اليهودية المهمة، من إعلاميين وحاخامات وأصحاب رأي، أعلنوا رفضهم الكامل لذلك الموقف من هيغل، وطالبوا أوباما بعدم الإصغاء لتلك الحملة.
ولعل أقوى ما كتب في ذلك الشأن، هو مقال للكاتب اليهودي الأميركي م. روزنبرغ، انتقد فيه المنظمات المناصرة لليكود بشدة، وقال إنها لا تمثل إلا الأكثر ثراء من اليهود الأميركيين، ومن ثم لا تعبر إلا عن "آلاف قليلة".
فاللوبي عنده صار عاجزا عن جمع أصوات اليهود لتأييد مواقفه، لأن أغلبيتهم لا تؤمن بتلك الأفكار، ومن ثم اقتصرت قوته على جمع ملايين من اليهود الأثرياء اليمينيين، للإنفاق على الحملات الانتخابية والتأثير على السياسيين المنتخبين.
ثم أنهى مقاله بمخاطبة أوباما قائلا: "سيدى الرئيس، افعل بنا جميلا واختر هيغل. فتلك الاحتجاجات الآتية من أولئك الذين لا يهمهم إلا ضمان ألا تقول أمريكا "لا" لنتانياهو أبدا، لا بد من تجاهلهم".
أكثر ما يلفت الانتباه في أداء الجماعتين، هو أن كلتيهما تمتلك قوة تنظيمية ومالية هائلة، تصيب السياسيين المنتخبين بالذعر خوفا من انتقامهما. لكن كلتيهما أيضا صارت تتخذ مواقف أكثر تطرفا، تثير قلق قطاعات متزايدة من الأميركيين.
والسؤال المهم؛ هل يجر هذا التطرف الساحة السياسية الأميركية أكثر نحو اليمين أم يؤدي لسقوط هاتين الجماعتين من عرشهما؟