لم يكن الفلسطينيون هم من اختاروا التزامن بين العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، الذي وقع في الرابع عشر من نوفمبر الماضي، وحققت خلاله المقاومة إنجازاً أدى إلى ارتفاع نبرة الحديث لدى قيادات حركة حماس، بشأن أولوية برنامج المقاومة، وبين التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، والحصول على إنجاز سياسي، من خلال تأييد 138 دولة، لتغيير مكانة منظمة التحرير إلى دولة فلسطينية غير عضو.

الإسرائيليون هم من بادروا إلى شن العدوان على القطاع، ولكن الفلسطينيين هم من اختاروا يوم 29 من الشهر الذي وقع فيه العدوان، لكي يطلبوا تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على اقتراحهم، بتغيير مكانة فلسطين إلى دولة غير عضو، بدلاً من عضوية مراقب الذي تحظى به منظمة التحرير منذ ما يقرب من الأربعين عاماً.

الإنجاز الذي تحقق عبر المقاومة، والآخر الذي تحقق عبر النضال السياسي والدبلوماسي، يقدمان مع بعضهما، نموذجاً وجواباً على جدل فلسطيني ساد لفترة طويلة بشأن أولوية أشكال النضال، وشكّل واحداً من أبرز الذرائع لتبرير الانقسام الجاري منذ أكثر من خمس سنوات.

كان خطاب حركة حماس، ومعها فصائل أخرى، يؤكد على أولوية أسلوب المقاومة، بمعناها الحصري في الكفاح المسلح، باعتباره الأسلوب الوحيد لتحرير فلسطين، وكان ذلك الخطاب، يستند إلى فشل خيار العملية السلمية، والمفاوضات، الأمر الذي جعل حماس تطالب كل الوقت الرئيس محمود عباس وحركة فتح، بتبني برنامجها، أي برنامج المقاومة.

على الطرف الآخر، لم يتخل الرئيس عباس عن خيار المفاوضات والعملية السلمية، ودعا في أكثر من مناسبة لتبني خيار المقاومة الشعبية، على اعتبار أنه الأكثر جدوى وملاءمة لتحقيق إنجازات سياسية.

والحقيقة أن ظروف الانقسام ودوافعه وتداعياته، قد أملت على الفلسطينيين ثقافة حصر مفهوم المقاومة بأشكال الكفاح المسلح، وكان ذلك واحداً من الأسباب التي ساهمت في تمكين حركة حماس من تحقيق شعبيتها، والفوز في الانتخابات التشريعية عام 2006، خصوصاً وأن نهج المفاوضات لم يحقق أي إنجاز، بل لقد شكل غطاءً لمواصلة إسرائيل مخططاتها الاستيطانية والتهويدية.

والواقع أن مفهوم المقاومة يتسع ليشمل أشكالاً عديدة، من بينها المقاومة المسلحة، ولكنه يتسع أيضاً للمقاومة الشعبية السلمية، والمقاومة السياسية والدبلوماسية، والمقاومة القانونية والاقتصادية والثقافية. إن كل ما من شأنه أن يؤثر سلبياً على الاحتلال وسياساته ومخططاته، يمكن أن يندرج في إطار المفهوم الأوسع للمقاومة، وهو المفهوم الذي يتوافق تماماً مع ميثاق الأمم المتحدة، الذي يؤكد حق الشعوب المحتلة أراضيها في استخدام العنف، وما يجره ذلك من تعاطف شعبي أوسع مع من يتبنى هذا الشكل من أشكال النضال.

وفي كثير من الحالات، كان المنطق الموضوعي يقول بأن لا المفاوضة وحدها قادرة على تحقيق إنجازات، ولا المقاومة المسلحة وحدها قادرة على ذلك، وكان هذا المنطق يشير إلى ضرورة تحقيق المصالحة الفلسطينية واستعادة الوحدة، وذلك يستدعي عدم تمسك أي طرف ببرنامجه، والقبول بما ينجم عن حوار وطني مطلوب لتحقيق توافق سياسي بين كافة أطياف العمل الوطني الفلسطيني.

 ولقد أظهرت طبيعة الإنجازات التي تحققت مؤخراً، عبر المقاومة المسلحة وعبر السياسة والدبلوماسية، حاجة الأطراف الفلسطينية للتخلي كل عن تمسكه باعتبار خياره هو الخيار الوحيد الذي ينبغي اعتماده كاستراتيجية للعمل الوطني الفلسطيني برمته.

إن تاريخ نضال الشعوب ضد الاستعمار، لم يعرف شكلاً واحداً أو نموذجاً واحداً ناجحاً يمكن اعتماده كل الوقت، وضمن كل الظروف. فلقد نجح الفيتكونغ في دحر الاستعمار الأميركي عبر الكفاح المسلح، ولكن المهاتما غاندي نجح هو الآخر في دحر الاستعمار البريطاني عبر المقاومة الشعبية السلمية، وما بين هذه التجربة وتلك تقدم لنا البشرية تجارب عديدة.

الفلسطينيون ليسوا استثناء، ورغم استثنائية الاحتلال الذي يعانون منه، بما أنه استعمار استيطاني، إجلائي، عنصري، فإن تجربتهم الخاصة، تستدعي الحوار والاتفاق على توسيع مفهوم المقاومة، واختيار أولوية هذا الشكل عن ذاك، انطلاقاً من قدرته على تحقيق الأهداف، وارتباطاً بطبيعة اللحظة السياسية والعوامل الموضوعية والذاتية المؤثرة.

في هذا الإطار فإن القراءة الموضوعية للعوامل المحيطة بعملية الصراع، تستدعي تقديم أشكال المقاومة الشعبية، وما يتبع ذلك من أشكال المقاومة السياسية والدبلوماسية والقانونية، ولكن دون التخلي عن الكفاح المسلح كشكل فاعل تشرعه مواثيق الأمم المتحدة، ويمكن أن يعود ليتصدر أشكال النضال الأخرى في مراحل أخرى وظروف مختلفة.

لا يحق لأحد أن يغلق الطريق على أية خيارات يمكن وينبغي توظيفها في الإطار العام للصراع مع الاحتلال، خصوصاً في ضوء اختلاف الظروف الجيوسياسية بين المناطق الفلسطينية المحتلة، والتعددية السياسية التي تميز المشهد الفلسطيني العام. فإذا كانت المقاومة المسلحة، مهما بلغت قوتها وتأثيرها، ستنتهي إلى المفاوضة، فإن المفاوضة لا يمكن أن تحقق أي إنجاز إلا حين تكون تتويجاً لنضال متنامٍ متعدد الأشكال والأساليب.

هكذا يترتب على الفلسطينيين أن يجدوا عبر حوار وطني شامل، السبيل لتحقيق التكامل بين أشكال النضال، بدلاً من وضع هذه الأشكال كبدائل لبعضها، ومن مواقع التوظيف الفصائلي، وليس التوظيف الوطني.

هذه هي المعادلة التي طرحتها الإنجازات التي حققها الفلسطينيون مؤخراً، وينبغي أن تكون قد وفرت أرضية لتوافق سياسي، لا يعطي الأفضلية لأي طرف سياسي، ويؤسس لتطوير عملية المصالحة التي ينتظر الفلسطينيون أن تكون الإنجاز الثالث الأهم خلال هذه المرحلة من الصراع، التي تنفتح على إمكانيات توسيع الاشتباك مع الاحتلال، أكثر مما أنها تنفتح على إعادة إحياء العملية السياسية والمفاوضات.