دخل «شحفان» لقهوة «بوطبر» على عجلٍ وطلب أن يأتيه بنصف «استكانة» شاي، وعندما سأله «بوطبر» عن سرّ نصف الاستكانة فقط، أجابه بأنه يحاول كتابة قصيدة لمدح القاضي حتى يحصل على مكافأة بسببها، وأكمل له: «الجاهي يفتح المخ، وأنا نص مخي مفتوح، فأريد أفتح النص الثاني بس»!

أتذكر شحفان وقصته هذه وبخله الشديد و«كندورته» الرثّة التي لا تتغيّر، كلما تابعت شركة RIM الكندية مصنّعة أجهزة البلاكبيري الشهيرة، فالشركة التي كانت أيقونة عالم الهواتف مع نوكيا الفنلندية، أصبحت «نسياً منسياً» حالياً، إذ إنّ تاريخها بائس للغاية وأشبه بصلعة «قحطة»، عندما تأتي لقضية الابتكار والتجديد، فأجهزتها هي هي، ولولا كفاءتها في ما يخص برنامج التواصل النصّي وبيئة الأعمال الآمنة، والتي بدأ الآخرون باختراقها أيضاً، لكانت أثراً بعد عين، ولرأيناها منذ زمن قد قلبت الكراسي فوق الطاولات وقالت: «شطّبنا»!

لم تنتهِ الشركة حتى الآن، ولكنّه أمرٌ سيحدث قريباً ما دامت لا تتحرّك بما فيه الكفاية، رغم أنّ المرض قد استفحل في أوصالها، فالشركة فقدت حصتها السوقية عالمياً من 19.9% عام 2009 إلى 4.7% حالياً، وهوت مبيعاتها في أميركا وكندا وبريطانيا بنسبة 53%، وفي باقي العالم بنسبة 44%، حسب تقرير الشركة الأسبوع الماضي، بينما سيطرت منافساتها على السوق، إذ استحوذت «سامسونغ» على 29% و«أبل» على 20%!

المؤسسات لا تمرض فجأة، ولكن أعراض المرض تظهر بشكلٍ تدريجي وبطيء، وكلما تأخرت أو تجاهلت المؤسسة علاج ذلك المرض، تمكّن أكثر وصعب التعامل معه لاحقاً. ويبدأ المرض عندما ترضى المؤسسة عن نفسها وتتوقف عن الابتكار، وتنطفئ شُعلة «الشغف» بالتميّز الدائم عن الآخرين، وينخر أوصالها الغرور والإعجاب بالنفس، وبأنّها الأفضل وما تُنتجه هو الأمثل، دون أن تلتفت لحركة المنافسين الدائبة حولها، واستماتتهم لتقديم منتجاتٍ تلتقط تلك النقود التي يريد العميل إنفاقها على ما تستحقه، متماديةً في حالة إنكار الواقع المتغيّر عن الأمس، والذي سيكون مختلفاً حتماً عن الغد أيضاً!

لقد كابرت «آر آي إم» طويلاً، وتأخرت كثيراً في مسايرة تطور الهواتف الذكية، حتى صَحَت على واقعٍ مرير بخروجها شبه الكامل من السباق وبمستقبل داكن لها في الغد، فأدوات التفوّق لديها شبه معدومة، ورهانها الوحيد حالياً هو منتجها الذي تأخر كثيراً وهو «بلاكبيري 10»، والذي لا يُفترض به أن يُجاري هواتف أبل وسامسونغ فقط، بل ويتفوّق عليها كثيراً حتى يكون جديراً بأن يُقال عنه «مُغيّر اللعبة»، وهذا أمرٌ ليس من المتوقع نظراً لتاريخ الشركة المتواضع في التجديد وابتعاد المنافسين كثيراً بمنتجات متميّزة للغاية. المشكلة في عقلية «آر آي إم»، والتي ما زالت مقتنعة أّنه في أي وقتٍ بمقدورها أن تستعيد الصدارة بمجرّد أن تستطيع تقديم منتج ساحق، وذلك جهلٌ مطبق بأصول اللعبة، والتي تقضي بأن القادم الأول هو من يضع شروط اللعبة، وأن منتجهم المنتظر بمجرّد أنْ أُعلن تأخر طرحه لشهرين، فقد تسبّب في خسارة سهم الشركة لـ40% من قيمته!

المشكلة متشعّبة، فهي مالية من جهة وفنية من جهة أخرى، فمنتجٌ مثل هذا سيستنزف الكثير من السيولة الموجودة والمقدرة بملياري دولار، والتي ستجعل الشركة «على الحديدة» تقريباً، على أمل أن تكون المبيعات حسب «الحُلم»، والتأخير متوقع نظراً للتأثير السلبي لإقالة 5000 موظف من الشركة، «وهو ثلث قوة العمل الكاملة»، لخفض النفقات، على أداء بقية الموظفين ونفسياتهم، وعلى مدى تحمّس المطوّرين للمسارعة في ضخ عشرات الآلاف من البرامج لتحميلها على الجهاز الجديد، فلا أحد يشتري هاتفاً دون برامج متنوعة وكثيرة بعد اليوم، ويكفي أن متجر أبل يحوي قرابة 900 ألف برنامج جاهزة للتحميل!

قضيةٌ أخرى، أنّ الرهان حالياً يختص بسوقين لا ثالث لهما: سوق الأعمال، وسوق الأفراد. أمّا الأول، وهو ما يقوم عليه العمود الفقري لشركة البلاكبيري، فشركة أبل تستهدفه بكل ما أوتيت من قوة، والثاني اقتحمته أجهزة الأندرويد بتشكيلاتها الواسعة وأسعارها المتباينة وبرامجها التي لا تُحصى. وحسب مسح لشركة IDC، فقد قدّرت أن نصف مبيعات أبل من الآيفون خلال 2012، والبالغة 125 مليون جهاز، تستخدم في إدارة برامج الأعمال المؤسسية، بينما 20% من أجهزة الأندرويد والتي يُفعّل منها يومياً 1.3 مليون جهاز، أغلبها هواتف سامسونغ، تُستخدم لنفس الغرض.. إذاً، في أي جبهةٍ ستحارب RIM؟

ليست الشركة في وضعية استعادة الصدارة فذلك أشبه بالمستحيل، بل هي تحاول البقاء، ومن المحال أن تفوز بالقاضية، لكنها سترضى أن تخسر بالنقاط فذلك أفضل الخيارات السيئة. هي لا تريد استدراج عملاء أبل وأندرويد، ولكنها تريد الحفاظ على أكبر نسبةٍ ممكنة من عملائها وحدها. فالفارق هائل بين الشركات الثلاث حالياً، فسعر سهم أبل 513 دولاراً، وقيمتها السوقية 483 مليار دولار، وسعر سهم سامسونغ 687 دولاراً بقيمة سوقية تبلغ 202 مليار دولار، بينما سعر سهم «آر آي إم» 11 دولاراً وقيمتها السوقية تقلصت لتصبح بالكاد 6 مليارات فقط. وكم كانت إدارتها بحاجة لقراءة كتاب «وحده المذعور من يبقى» لآندي غروف، عندما أنقذ شركة «إنتل» من مصيرٍ مماثل، ولكن «ما تشابهت اللحى»!

إنّ المستقبل متجهم للغاية للشركة، ليس لضراوة المنافسين أو لتخلفها الكبير في ذلك السباق أو صعوبة إرضاء العملاء فقط، وإنما لأهم جزئية في كيان أي مؤسسة، ألا هو «الثقافة المؤسسية». فلو افترضنا نجاح الهاتف الجديد «الوحيد»، فإنّ ثقافة الشركة عُرِفَ عنها البعد عن الجرأة، بل وعن الابتكار في طرح منتجات مختلفة كما تفعل منافساتها اللواتي لا يتوقفن عن التجديد.

ما يحدث حالياً للشركة سيتكرر بصورةٍ أسوأ مستقبلاً، وهي بين معضلتين: معضلة الخروج من صورة الماضي الجميل المنتهي، ومعضلة التخطيط «الصعب عليها» للقادم المختلف.. ولحلهما لن تكفيها دلةّ شاي «بوطبر» كاملة!