ما زالت الرؤية ضبابية أمام فقهاء الاجتماع السياسي، المعنيين جدياً باختيار المفهوم الأنسب لتوصيف التفاعلات التي اجتاحت مجتمعات ما يسمى بـ"الربيع العربي" خلال العامين الأخيرين. وفي هذا الإطار يبدو الأمر محيراً وقابلاً لأكثر من احتمال، بالنظر إلى استمرارية مظاهر الحراك وارتباك القائمين به، على مستويي النخب وقواعدهم الشعبية في أكثر من تجربة.

وعليه، فقد نكون بصدد ثورات أو انتفاضات أو هبات، أو مجرد هوجات وغضبات اجتماعية سياسية.. ويتوقف الأخذ بأحد هذه المفاهيم على النتيجة النهائية لعملية التغيير الجارية، ومدى جذريتها.

لكن المؤكد أن هذه المجتمعات تخوض غمار تحولات وانعطافات فارقة ضد أوضاع ونظم طال تكلسها، وأن ملح الأرض من عامة الناس فيها، قد غادروا سلبيتهم وعزوفهم عن حقل العمل العام، بكل مضامينه ومحمولاته، السياسية منها بشكل خاص.

هذه ظاهرة تحمل بشارات طيبة بالنسبة للذين أهلكوا زهرة عمرهم و"هرموا" وهم يخزون الرأي العام العربي ويستحثونه، لخوض غمار هذا الحقل وكسر تابوهاته، ولكي لا يدعوه نهباً لنخب اجتماعية وسياسية محترفة؛ أدمنت سوقه إلى حيث مصالحها الذاتية البحتة. ومع ذلك فإن ثمة كثيراً من الهواجس والمخاوف تراودنا، حول ما إن كانت الحشود الشعبية، التي ما انفكت تنداح في الميادين والشوارع و"الزنقات"، قادرة على الإفلات من أحابيل هذه النخب، لا سيما وأن هذه الأخيرة تستحوذ على أدوات التعبئة والتوجيه، التي قد لا تكون بالضرورة سليمة القصد والنية أو رشيدة التوجه والفعل.

نود القول بأن الفيضانات الجماهيرية العارمة، التي تدور في بيئة فوارة هائجة، قد تستغل من جانب أصحاب أجندات داخلية (وخارجية)، على نحو يحرفها ويجرفها بعيداً عن مسارات التحول الصحيحة والنافعة بالنسبة لها.. يؤشر إلى هذا المحذور، أن بعض الرموز والقوى السياسية، التي عاصرنا عجزها وجعجعاتها الفارغة أو حتى انزواءها مطولاً في العهود السلطوية، راحت تحشد جموعاً شعبية خلفها، بزعم الدفاع عن قضايا يتم تصويرها ووصفها بـ"المصيرية"، بينما هي في حقيقتها محدودة الأهمية.

لقد عاينا مؤخراً محاولات لهذه الرموز، في عواصم عربية مركزية، وهي تسعى لتحويل بعض الخلافات والتفصيلات السياسية الفرعية، التي يمكن علاجها بشيء من الإيثار والمرونة وسعة الأفق، إلى اختلافات وصدوع أيديولوجية وفقهية عميقة يصعب رأبها.

وفي سياق التناظر الممل الذي يصطنعه ويؤججه هؤلاء المرجفون الموتورون حول كل شاردة وواردة، جاعلين من الحبة قبة، يتسلل المتضررون من عملية التغيير ويصطفون في جماعات "الثوار"، قاصدين إعادة إنتاج أنفسهم وخطاباتهم.

ونحسب أن مشهداً كهذا يشوش بقوة على سيرورة التغيير المأمول، وينذر بأوخم العواقب. والحال كذلك، ليس بلا مغزى أن نلمس انجرار قطاعات شعبية خلف ثقافة اليأس من نجاح عملية التغيير الثوري بقضها وقضيضها، التي يبثها أنصار النظم المخلوعة حديثاً، وصولاً إلى الترحم على هذه النظم، بزعم أن بدائلها كانت الفوضى ودخول المجتمعات في أتون الصراعات الأهلية، التي لا تبقي ولا تذر.

هناك فرق كبير بين مليونيات السبيكة الشعبية الموحدة في أوائل أيام الانتفاضات والثورات، وبين ما نشاهده اليوم من حشود شعبية تتنافس بخشونة في بعض المواقع. فهذه الأخيرة لا تعبر تلقائياً عن استمرارية مسار التغيير إلى الأمام، وربما لا يجوز تنسيبها إلى استكمال متطلبات هذا التغيير.

بل قد يكون ذلك أحد تجليات التنابذ أو الفرقة، أو حتى القطيعة بين شركاء الأمس "الثوري" القريب وانشطارهم إلى طرائق قددا. وعطفاً على الخطابات المتضادة التي يرفعها المحتشدون، يصح الزعم بأن هذا الاحتشاد يمثل مظهراً للانتكاس السريع لهدف التغيير ذاته، ومؤشراً على خطر العجز الثوري (حتى لا نقول نجاح الثورة المضادة).

لا يستغربن أحد هذا الفهم، لأن تاريخ الشعوب حافل بنماذج الثورات والانتفاضات التي آلت إلى الفشل والانتكاس و"الفوضى الهلاّكة"، بما يحملنا على التربص والحذر وبعض التشاؤم. وإذا كان بعض المنتفضين الثوريين العرب، يؤكدون اطمئنانهم إلى أن مجتمعاتهم محصنة ضد الارتداد إلى الخلف، وأن المشاحنات والمشادات القائمة لا تعدو مجرد توابع طبيعية ومتوقعة لزلزال الربيع الديمقراطي، فإن هناك الكثير من الشواهد العملية المنظورة، المثيرة للشكوك في صحة هذا التقدير.

منها، مثلاً، وصف أحد الساسة المصريين للتظاهرات المعارضة لبعض قرارات الرئاسة المصرية، بأنها تعبير عن "ثورة ثانية"، وكأن الثورة الأولى نجحت في إنشاء نظام متكامل قائم على سوقه، بما يستحق وصف معارضته بالثورة الثانية!..

والرأي، أنه لو كانت الاحتقانات الزاعقة في مثل هذا النموذج من طبيعة سياسية بحتة، لحق الاطمئنان إلى إمكانية تسويتها في أجل قريب بالتوافق والتراضي والتفاوض والحوار الإيجابي بين الفرقاء.. بيد أن القضايا المبطنة للاحتقان والتدافع الغليظ، أميل إلى الطبيعة الإيديولوجية التي يبلغ التباغض والتباعد بينها وبشأنها مديات واسعة. وهذا يوجب على المنغمسين فيها الاصطبار وكظم الغيظ، وتحري الحلول الإبداعية بلا سقوف ولا قيعان، وصولاً إلى قواسم مشتركة تعبر بهم والوطن إلى شطآن الأمن والاستقرار.

وإلى أن يحدث ذلك، فسوف يبقى تعريف مضامين الربيع العربي مثيراً للجدل والالتباس، وتجلياته النهائية مسألة معلقة بظهر التطورات، أو لنقل مسألة فيها نظر.