الليلة، عندما يتعانق عقربا الساعة معلنين نهاية عام وبداية عام، سوف تنطلق أضواء وتنطفئ أضواء، ويعلو الصخب في أماكن من العالم ويعم السكون أماكن أخرى. إنها اللحظة الفاصلة بين النهاية والبداية، هكذا يتصورها البعض، ولكن هل هي لحظة فاصلة حقاً، أم أنها لحظة انتقال طبيعي من زمن إلى زمن، يعطيها البعض بعداً عاطفياً ومساحة أكبر مما تستحق أو يليق بها أن تُعطى؟

الحادي والثلاثون من ديسمبر، تاريخ يعني للبعض يوماً مختلفاً، بينما يمر عليه البعض مرور الكرام، مثله مثل أي يوم من أيام العام، رغم أنه اليوم الذي تغلق فيه الشركات والبنوك حساباتها لتعرف ما لها وما عليها. وبهذا المفهوم أيضاً يتعامل بعض البشر معه، ليعرفوا ما لهم وما عليهم، ما حققوا من أحلام وما لم يستطيعوا تحقيقه.

على صعيد الأفراد، ربما يبدو الأمر أكثر سهولة وأقل عناءً، فأنْ نرصد ما حققنا من أحلام وأمنيات، وما لم نحقق منها، عملية سهلة لن تأخذ من وقتنا الكثير، وهي أقل تعقيداً، وأكثر وضوحاً، وأسهل حصراً من أحداث العام التي تبدأ بثها وكالات الأنباء، وترصدها أجهزة الإعلام، بمختلف أشكالها، لتقدم لنا حصاد عام، ينظر البعض إلى إيجابياته أكثر من سلبياته.

ويغض البعض الطرف عن هذه الإيجابيات باحثاً عن الجوانب السلبية التي يمكن أن تجعل العام هو الأسوأ في تاريخ البشرية. فإلى أي مدى كان عام 2012 إيجابياً، وإلى أي مدى كان سلبياً في نظر المحللين الذين نشطوا مع نهاية العام، وسيستمر نشاطهم مع بداية العام المقبل كعادتهم كل عام؟

على المستوى العربي الذي نحن معنيون به، نستطيع أن نقول إن الوضع ما زال ملتبساً، ففورة "الربيع العربي" التي انطلقت قبل عامين، انطفأت كما يبدو قبل الأوان، واتخذت مساراً آخر بعيداً عن جمال الربيع الذي استبشر به الجميع عند انطلاقه، وبنوا عليه آمالاً كباراً، أخذت في التبخر أملاً وراء أمل، لتعيدنا إلى ديكتاتورية أشد ضراوة وأكثر سوءاً من ديكتاتورية الحكام والأنظمة التي أزاحتها ثورات الربيع العربي، لتبدو دول "الربيع" أقل ديمقراطية بعد الربيع مما كانت عليه قبله.

فالطغيان الذي ثارت عليه تلك الشعوب عاد في شكل جديد وأصبح دستورياً ممنهجاً، متخذاً من إرادة الشعوب المزيفة غطاءً سرعان ما انكشف، لتظهر من تحته ممارسات لا يمكن وصفها إلا بالاستبداد والرغبة في الانفراد بالسلطة.

وفرض الأمر الواقع تحت مظلة الإرادة الشعبية، التي سمح لها بممارسة دورها مرة واحدة ثم ألغيت بشكل أو بآخر وأصبحت محرمة شرعاً، ليبدأ عهد استبدادي جديد، من الصعب أن نعرف إلى أي مدى سيصل، ومن الصعب أن نعرف إلى أي مدى سيستمر، فمؤشرات ما حدث قبل سنتين تجعل التنبؤ بما سيحدث ضرباً من الإبحار نحو المجهول. لهذا نعتقد أن المنطقة ما زالت تعيش مرحلة المخاض الذي ربما يطول، وأن الولادة الحقيقية لم تحدث حتى الآن.

وإذا كان الاستبداد بالسلطة أمراً سيئاً، فإن الأسوأ منه هو الانقسام الذي تعيشه شعوب دول الربيع الموؤود، تلك التي كان الفقر والشعور بالظلم يوحدها، وهو الذي دفعها للخروج إلى الميادين والساحات لإحداث التغيير الذي سيرفع عنها المعاناة ويرد لها كرامتها، لينقلها من حالة الفقر إلى مرحلة العدالة الاجتماعية والمساواة التي تنشدها.

هذا الانقسام الذي بدا واضحاً بعد عامين من بداية الربيع، هو أسوأ ما يمكن أن تكون ورود ذلك الفصل قد تفتحت عنه، على فرض أن الورود هي سمة الربيع الغالبة. فقد أحدث الصراع على السلطة شرخاً بين رفقاء الميادين وحولهم إلى فرقاء متصارعين، ثم تجاوز الصراع مرحلة الخلاف في الرأي إلى إراقة الدماء وسقوط قتلى من الجانبين.

وهي مسؤولية يتحملها الطرفان معاً، من هو في السلطة ومن هو خارج السلطة، فعندما يسيل الدم تتعطل لغة الكلام ولا يعود للحوار معنى، لأن من يتحدث لغة الدم لا يجيد أساليب الحوار، وهنا ننتقل من مرحلة الربيع الوردي إلى مرحلة الربيع الأحمر، إذا جاز لنا أن نستمر في استخدام مصطلح "الربيع" في وصف المراحل وتصنيفها.

هذا هو حصاد عامين متواصلين، وليس حصاد عام واحد، يودعه البعض بإطلاق الأضواء، ويودعه البعض الآخر بإطفائها. وهو حصاد لا يجعلنا نأسف على ما مضى فقط، وإنما يشعرنا بالقلق على ما هو آت والخوف منه، وما هو آت في ضوء ما مضى لا يحمل لنا الطمأنينة التي نبحث عنها ونحن نحتفل بنهاية عام وبداية عام.

فالصورة التي نشاهدها أمامنا عندما تُطفأ الأنوار ويعم الظلام، مليئة بالألغام والانفجارات، والصورة التي نشاهدها عندما تُضاء الأنوار وتتضح الرؤية، مليئة بالصراع والخلافات.

وحدهم الراقصون على الأشلاء والمتربصون بنا، هم الذين تسعدهم الصورتان ويعيشون طقساً احتفالياً لا مثيل له، لأن الفوضى الخلاقة التي سعوا إلى نشرها بيننا طرحت ثمارها وآتت أكلها، أما أولئك الذين تفاءلوا بالربيع العربي، وظنوا أنه طوق النجاة للخروج من مرحلة الركود القاتل إلى مرحلة الحراك الإيجابي الخلاق، فما زالوا ينتظرون وينتظرون وينتظرون..

كل عام وأنتم منتظرون.