على الرغم من أن دولة الإمارات تتعرض يومياً للعديد من الاتهامات الجائرة، إلا أنها تثبت على الدوام قدرتها على تجاوز أي نظرة سلبية تحاول الحد من انطلاقها. هذا التأقلم العجيب والقدرة على تجاوز المستحيل، يدعو العديد من الهيئات والمؤسسات العالمية لدراسة سر هذا التحول الذي تمر به الإمارات، بغية الوصول إلى قناعات تشرح لهم أسباب هذا الانتعاش والاستقرار، وفوق كل ذلك هذا التعايش العجيب الذي تشهده الدولة.
فقد أظهر استطلاع دولي أجرته مؤسسة "باريت"، بالتعاون من برنامج وطني، وشمل 4100 شخص من المواطنين والمقيمين في دولة الإمارات، أن الإمارات هي الدولة الوحيدة من بين 18 دولة شملها الاستطلاع، التي جاءت فيها قيم السلام والأمان والاستقرار في مقدمة القيم العشر الأولى التي يتمتع بها المجتمع.
ورغم أن الاستطلاع قد ضم 90 قيمة أخلاقية ومجتمعية أساسية طرحت على الفئة المستطلع رأيها، إلا أن اختيار الكثيرين لقيمة الأمن والأمان والاستقرار، يعكس مدى السمعة التي تتمتع بها الإمارات عالمياً في مجال الأمن ومستوى العدالة الاجتماعية الموجود في الدولة. فإحساس الفرد بالأمان نابع من إحساسه بأن حقوقه مصانة وكرامته غير مهدورة وحقه في الاستقرار محفوظ.
الاستطلاع كذلك أثبت أن الدولة تحقق الحد الأدنى عالمياً في مؤشر الطاقة السلبية (كالاكتئاب والملل والقلق والبيروقراطية والفساد وغيرها) تجاه النظم الاجتماعية التي تحكم الحياة والتي قد تعيق التقدم، حيث بلغ المؤشر 12% بينما بلغ في دول أخرى متقدمة كالولايات المتحدة 56% وبريطانيا 57%.
هذا المستوى يبرهن على حقيقة العدالة الاجتماعية التي استطاعت الإمارات تحقيقها، ألا وهي نشر وإشاعة روح التسامح بين الأعراق المختلفة التي تعيش في الدولة، والقضاء على آفات مجتمعية كثيرة تسبب القلق وتساعد على إشاعة الفساد والبيروقراطية داخل الأجهزة الأمنية والإدارية.
وفي الوقت الذي تعاني فيه فئات معينة كالشباب والنساء في بلدان شرق أوسطية كثيرة، من الظلم الاجتماعي والتهميش والإقصاء، أثبت الاستطلاع أن فئة الشباب والنساء هما الأكثر شعوراً بالأمن والأمان والعدالة في الدولة، وهي حقيقة تبرهن على الجهد الذي بذلته الإمارات وشعبها، للوصول إلى هذا المستوى المتميز من بث الشعور الإيجابي بين هذه الفئات بالتحديد. ففي بلدان كثيرة أخرى يعد مستوى رضا هاتين الفئتين عن الحياة في المجتمع، دليلاً على تقدم تشريعات الدولة وقوانينها ونظمها الاجتماعية والاقتصادية.
لم تكن النتائج التي توصل لها الاستطلاع مفاجئة للمراقبين والمتابعين لتاريخ هذه الدولة، ولا التطور المذهل الذي أحرزته في سنوات قليلة، معتمدة على قدرتها في إشاعة عنصرين مهمين لعصب الحياة في أي مجتمع، وهما الاستقرار والتعايش الاجتماعي.
فالمتابع لتاريخ هذه المنطقة يدرك أنها ليست جديدة على هذين العنصرين، فقد عرفت الإمارات الاستقرار السياسي والاقتصادي منذ نشأتها، متكئة على حسها الفطري بأن السياسة والاقتصاد هما اللذان يقودان عربة التطور والتنمية في المجتمع.
من ناحية أخرى، لم تكن الإمارات أبداً غريبة على الانفتاح والتعايش السلمي بين مختلف الأعراق التي عاشت على أرضها منذ قرون طويلة. فالإمارات كانت معروفة ومنذ زمن طويل، بأنها أرض تعايش عليها مختلف الأجناس العربية والفارسية والهندية والإفريقية.
ولم تتضارب مصالح أي عرق أو تطغى على الآخر، رغم التناحر الذي شهده العالم المحيط بها على مر فترات التاريخ. هذا التعايش الاجتماعي أذهل العالم، ففي منطقة صغيرة تقوم على الاقتصاد والمصالح الذاتية، يتوقع المراقب أن تظهر تناحرات وتطغى مصالح فئة على أخرى ويفقد النظام والقانون أسسه وأركانه، ولكن ما حدث هنا أذهل المراقبين.
فالجميع منشغل في تحقيق أهداف كبرى، ولم يحدث لا بين مواطنيها ولا بين الجنسيات العديدة، حتى تلك المختلفة في ما بينها، ما يثير التناحر والخلاف. فطبيعة تطور البلد تلزم الناس بالاتجاه نحو العمل الإبداعي الخلاق، عوضاً عن التناحرات الاجتماعية، فالكل هنا منشغل بتحسن وضعه الاقتصادي والمعيشي والسعي نحو الأفضل.
ولكن، هل هذا يعني أننا نعيش في مجتمع مثالي؟ بالطبع لا، ولكن طبيعة الحياة وظروفها أفرزت واقعاً مغايراً قد لا يتوافر في مجتمعات أخرى. فإحساس الجميع بأنهم يعملون لأجل الارتقاء بذاتهم ولتوفير مستوى حياة أفضل لهم، يجعلهم منشغلين في التفكير الإيجابي لا السلبي.
كما أن توافر القوانين والتشريعات العادلة، وتطبيقها على الجميع دون استثناء، يوفر للجميع مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يهدف له كل مجتمعات العالم. ولكن هل يعني هذا أنه لا يوجد من يخالف القيم والأعراف الاجتماعية ويكسر القوانين؟ بالطبع يوجد..
فمن المعروف عن البشر أنهم درجوا على كسر القواعد ومخالفة اللوائح والتشريعات، حالما تتعارض تلك القوانين مع مصالحهم وأهوائهم ورغباتهم الشخصية. وهذا يحدث عندنا تماماً كما يحدث عند الآخرين، ولكن مقياس التسامح عندنا عالٍ جداً. فقد عمدنا على الدوام إلى إظهار روح التسامح وقبول الآخر بكل أخطائه، على أمل أن تبعث ثقافتنا الاجتماعية رسائل إلى الآخر باحترامها وتقبلها، كما نحن نتقبل ثقافة الآخر ونحترمها.
كما عمدنا على الدوام لتوجيه رسالة مزدوجة إلى كل من تسول له نفسه مخالفة قيمنا الاجتماعية، رسالة فيها ترهيب وأيضاً ترغيب. وهذا الأمر، رغم أنه أصبح يقلق الكثير من الحريصين على حماية الثقافة المحلية والهوية الوطنية، إلا أنه أيضاً يعد مقياساً كبيراً لدرجة التسامح الاجتماعي، الذي به استطاعت الدولة التفوق على غيرها وتحقيق نقاط إيجابية في سجلها الحضاري.
لهذا تعد تجربة الإمارات قصة نجاح للقيادة والشعب معاً.