بدأت النخب السياسية في العالم العربي تتداول مصطلح "الحرب الأهلية" منذ عدة عقود من السنين، وخلال ذلك كانت هناك وقفات حذرة متخوفة متسائلة متشككة، حول صحة وسم بعض النزاعات المسلحة بهذا الوصف، وذلك لأسباب وجيهة. فغياب معايير التقييم الموضوعية لطبيعة النزاعات المسلحة الدائرة من جهة، والتخوف من مواجهة تداعيات هذا الوسم إعلاميا من جهة أخرى، مثلت، وربما لا تزال، عوائق أمام مواجهة الحقائق المرة.

ولعل أبرز الحروب التي شهدتها المنطقة العربية، والتي لا يشك أحد في كونها حروبا أهلية، هي سلسلة الحروب التي اندلعت في السودان بين الشمال والجنوب منذ عام 1955، والتي تمخض عنها مؤخرا الانفصال في دولتين عام 2011، والحرب اللبنانية في الفترة الواقعة بين عامي 1975 و1990،.

والتي انتهت بتسوية هشة في الطائف، وجرى ترميمها أكثر من مرة بعد أن برزت أطراف جديدة في النزاع، وما زالت بين الحين والآخر تهدد بالانفجار من جديد. وهناك نزاعات أخرى يتردد البعض في إلباسها لبوس "الحرب الأهلية"، كما جرى في العراق بين عامي 2006- 2008، وكما يجري الآن في سوريا.

فبالنسبة للعراق ليس من المستبعد أن ينزلق من جديد إلى فترة الاحتراب المذهبي، بنمط مختلف يتخذ طابعا مناطقيا، على الرغم من أن نزاعا من نوع آخر قد أضيف لساحاته، إثر التصاعد الخطير في حدة الخلافات بين إقليم كردستان والحكومة المركزية، رغم أن فرص تحول هذا الخلاف إلى نزاع مسلح ليست كبيرة.

لكن طبيعة النزاع في سوريا، وعلى الرغم من تردد الكثيرين في وسمه بالحرب الأهلية لأسباب كثيرة، فهو كذلك فعلا، فقد حسمت الأمم المتحدة ذلك في العشرين من ديسمبر الجاري، حين أصدر محققون تابعون لها في مجال حقوق الإنسان، تقريرا ورد فيه "إن الصراع في سوريا أصبح مقسما على أسس طائفية.

مما يضع الأقلية العلوية الحاكمة على نحو متزايد في مواجهة الأغلبية السنية، مع وجود مقاتلين أجانب يساعدون طرفي النزاع". وهو ما رفضه المجلس الوطني السوري المعارض، الذي أكد أن "ما يجري في سوريا هو نزاع بين نظام سفاح وناس يطالبون بالحرية والمساواة".

يعود مصطلح "الحرب الأهلية" إلى القرن الأول قبل الميلاد، حيث استخدم لوصف الحروب التي حدثت في الإمبراطورية الرومانية. وقد استخدم هذا المصطلح منذ ذلك الحين في جميع النزاعات التي تحدث تحت مظلة كيان واحد، سواء كان هذا الكيان قبيلة أو مدينة أو دولة.

الحرب الأهلية هي نزاع مسلح بين أطراف منظمة داخل البلد الواحد، قد يكون أحدها الجيش النظامي نفسه، أو بين دولتين كانتا في السابق دولة واحدة، وقد تكون بدافع رغبة أحد أطراف النزاع داخل الدولة في الانفصال لتكوين دولته الخاصة به، أو لتغيير سياسة بلاده، أو بدافع الرغبة في السيطرة والاستئثار بالحكم.

وتقع الحروب الأهلية في الدول التي تكون مجتمعاتها مختلطة الدين والمذهب والعرق، أو في الدول التي لا تزال شعوبها ترزح تحت سطوة التقاليد القبلية والمناطقية. وبتعبير آخر، تقع حصريا في الدول التي فشلت في صياغة هوية وطنية كأبرز المشتركات بين مواطنيها، وفشلت لذلك في الارتقاء إلى مستوى الدولة المدنية.

وينجم عن الحرب الأهلية عادة عدد كبير من الإصابات، وضياع قسم لا يستهان به من الموارد الطبيعية، كما أنها تتسبب في إخفاقات كبيرة في الخدمات أو تعطيل كامل لها، وتصاحبها عادة هجرة السكان المدنيين إلى مناطق أخرى داخل البلد نفسه أو إلى الدول المجاورة، هذا إضافة إلى تباطؤ خطط التنمية أو توقفها، وتزايد نشاطات المنظمات التي تقوم بالجرائم المنظمة.

وعلى الرغم من الخسائر الكبيرة التي تحصل في منطقة النزاع وما يجره من ويلات على سكانها المدنيين غير المنخرطين فيه، إلا أن الحروب الأهلية لها تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة التي تحدث فيها. فهي قد تتسبب في تدخلات خارجية، وقد تشعل نار حرب إقليمية، خاصة حين تكون لأطراف النزاع امتدادات خارجية مع دول الجوار، إثنية أو دينية أو مذهبية أو إيديولوجية.

فما هي المعايير التي تستخدم للحكم على طبيعة النزاع؟

لن نبحث عن إجابة لهذا التساؤل لدى محترفي العمل السياسي، فالمتطلبات المهنية المصلحية لهؤلاء لا تتيح لهم حرية الإشارة بجرأة إلى حقيقة ما يدور في ساحات العالم العربي، دون أن يتخذوا الحسابات الخاصة بردود الأفعال وتأثيرها على حجم نفوذهم، وإنما سنبحث عن الإجابة لدى المؤسسات الأكاديمية التي مرجعياتها الوحيدة هي الحقيقة.

معهد السلام العالمي لديه إجابة عن ذلك، وهو معهد مستقل مركزه مدينة نيويورك، مهامه تنحصر في العمل على منع النزاعات بين الدول وضمن الدول نفسها، ولأجل ذلك وضع بعض المعايير للتمييز بين النزاع المسلح والحرب الأهلية.

فقد اعتبر هذا المعهد أن النزاع المسلح داخل الدولة الذي يشترك فيه طرفان أو أكثر، وتكون فيه الحكومة أبرز الأطراف ولا تتردد في زج الجيش النظامي فيه، ويكون الطرف أو الأطراف الأخرى في صفوف المعارضة، ويندلع بسبب الخلاف على طبيعة نظام الحكم أو ممارسات الحكومة أو حول عائدية بعض المناطق، ويسقط فيه أكثر من خمسمائة قتيل خلال عام واحد من اندلاعه، يعتبر هذا النزاع المسلح حربا أهلية.

وقد وُضع هذا التعريف للحرب الأهلية، استنادا إلى التعريف الذي وضعه قسم بحوث السلام والنزاعات في جامعة أوبسالا السويدية، الذي أصدر موسوعة تحت مسمى "بيانات أوبسالا حول النزاعات في العالم"، وتضمنت توثيقا دقيقا لجميع النزاعات التي حدثت في العالم منذ عام 1970.

والتي تعتبر المصدر الأكثر دقة والأكثر استعمالا في العالم. كما أصبحت التعريفات التي وضعت من قبل هذا المركز البحثي، أساسا معياريا للحكم على طبيعة النزاعات والحروب التي تجري في العالم.

جزء كبير من الحقيقة يكمن في الأرقام، فأعداد الضحايا الذين سقطوا في العراق بين عامي 2006 و2008، وأعداد ما سقط من ضحايا منذ اندلاع الثورة السورية قبل ما يقرب من عامين، تجعل الإجابة عن التساؤل الذي ورد في عنوان المقالة هينة.