أميركا والمشكلات الثلاث الأخرى

ليست "الهاوية المالية" على وجه التقريب أكبر هاوية تواجهها أميركا، إذا كنا نتحدث عن المنحدرات الخطرة التي تلوح في الأفق، وهنالك ثلاث منها:

هاوية فقر الأطفال؛ إذ يعاني عدد مذهل من أطفال أميركا من الفقر. وقد نمت نسبة الأطفال الأميركيين في سن المدرسة الذين يعيشون في منازل فقيرة، من 17٪ إلى 21٪ بين عامي 2007 و2011. ووفقاً لوزارة الزراعة الأميركية، فقد عاش في العام الماضي ما يقرب من طفل من بين كل أربعة أطفال أميركيين، في كنف عائلة واجهت صعوبة في توفير غذاء كافٍ في مرحلة ما من ذلك العام.

ومع ذلك، فإن البرامج الفيدرالية المختلفة لمساعدة الأطفال والأسر ذات الدخل المنخفض، باتت مستهدفة من قبل صقور العجز في الميزانية الاتحادية، الذين يصرون على أنه لم يعد بإمكاننا تحمل تكاليفها.

ويبدو الأمر كأن أحداً في واشنطن لم يعد يتحدث عن الحد من الفقر في أميركا، وكل ما نسمعه من كلا الحزبين هو أهمية الحفاظ على الطبقة الوسطى. وفي غضون ذلك، عمدت الولايات إلى تسريح المعلمين والاختصاصيين الاجتماعيين، وإنهاء برامج ما قبل المدرسة وما بعدها، وتقليص خدمات الأسرة المحلية. وقد خفضت ثلاث وعشرون ولاية الإنفاق على التعليم خلال العام الجاري، وخصوصا على المدارس الفقيرة.

ومع ذلك، فإننا ما لم نركز على تحسين المدارس، وتحسين الصحة، وتحسين ظروف هؤلاء الأطفال الفقراء وأسرهم، فإن أميركا ستحوي قريباً عدداً كبيراً من البالغين ناقصي التعليم واليائسين.

هاوية الرعاية الصحية لمواليد الستينات؛ فتكاليف الرعاية الصحية تستحوذ بالفعل على 18٪ من إجمالي الاقتصاد الأميركي، ونحن نوشك على الوصول إلى هاوية تتطلب أكثر من ذلك بكثير. فمن الآن وحتى عام 2030، عندما ينضم 76 مليوناً من مواليد الستينات إلى صفوف كبار السن، سوف ترتفع تلك التكاليف. وهذا هو السبب الرئيسي في أنه يتوقع للعجز في الميزانية الفيدرالية أن ينفجر خلال السنوات المقبلة، ليس بسبب "ميدي كير" و"ميديك إيد"، وإنما بسبب تكاليف الرعاية الصحية الآخذة في الارتفاع، والتي يقوم عليها هذان البرنامجان. وتعد هذه التكاليف، بدورها، نتيجة لنظام غير فعال على نحو مذهل، إذ إننا ننفق على الرعاية الصحية أكثر مما تنفقه أي دولة غنية أخرى بواقع ضعفين ونصف الضعف تقريباً، ومع ذلك فإن المواطن الأميركي العادي لا يعيش المدة التي يعيشها مواطنو تلك الدول، فضلًا عن أن معدل وفيات الأطفال الرضع لدينا أعلى.

وفي الواقع، فإننا ننفق 30 مليار دولار سنويا على تصحيح الأخطاء الطبية، وهو أسوأ معدل بين الدول المتقدمة. وذلك، إلى حد كبير، لأننا نحتفظ بسجلات المرضى في أجهزة كمبيوتر لا يمكنها مشاركة البيانات. ومن جهة أخرى، فإن التكاليف الإدارية تستهلك ما يتراوح بين 15٪ و30٪ من إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية، وهو ضعف ما تستهلكه التكاليف الإدارية في الدول الغنية الأخرى. ويتم إنفاق المال أساسا على عملية تحصيل المال؛ الأطباء والمستشفيات من شركات التأمين، وشركات التأمين من الشركات الأخرى والسياسة. وفي حين أن "قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة" سيحد من هذا القصور، فإنه لن يفعل ذلك بشكل كافٍ.

ويتعين على الرئيس الأميركي باراك أوباما كذلك، أن يأخذ زمام المبادرة لخفض التكاليف في ما يتعلق باستخدام قوة مساومة برنامجي "ميدي كير" و"ميديك إيد" ضد موفري الرعاية، والانتقال من نظام رعاية صحية يقوم على أساس "رسوم مقابل خدمة"، إلى آخر يقوم على أساس "رسوم مقابل نتائج صحية". ولكننا لن نتمكن من تجنب هاوية الرعاية الصحية الحقيقية، إلا إذا اعتمدنا على نظام رعاية صحية ذي دافع واحد. وتتمثل الهاوية الثالثة التي نسير نحوها، في تغير المناخ. فقد ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية بنسبة 3٪ العام الماضي، ويتوقع أن ترتفع مجددا بنسبة 2.6٪ هذا العام، وذلك وفقا للعلماء الذين يدرسون الغلاف الجوي بعناية.

ويتسبب هذا في تقريب الجنس البشري بصورة خطيرة جدا، من نقطة ذوبان القمم الجليدية بشكل نهائي، وارتفاع مستوى سطح البحر، وتقلص مساحات الأراضي الزراعية المتوفرة في العالم بشكل خطير، ويقول البعض إننا قد بلغنا تلك النقطة بالفعل. ومع ذلك، فإن العديد من الجمهوريين (ورعاتهم الماليين)، لا يزالون ينكرون تغير المناخ. وحتى إدارة أوباما لم تعد تسعى وراء نظام يقوم على أساس الحد الانبعاثي والمتاجرة للحد من انبعاثات الكربون، أو ضريبة كربون من شأنها أن تكبح الاستخدام المفرط للطاقة القائمة على الكربون. ومع ذلك، فإننا ما لم نتحرك للحد من انبعاثات الكربون، فإن الدول الرئيسية الأخرى الباعثة للكربون حول العالم، لن تفعل ذلك من تلقاء نفسها. فالاتفاق الملزم الوحيد حتى الآن هو "بروتوكول كيوتو"، الذي لم تنضم إليه الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، فقد أبدينا نزعة قيادية محدودة في محادثات المناخ الدولية التي اختتمت لتوها في قطر.

وفي حين أن ما يسمى "الهاوية المالية" يمكن أن يكون خطيرا، فإن هذه الهاويات الثلاث الأخرى تشكل خطرا أكبر بكثير. ومع ذلك، فإننا نعجز، في ما يبدو، عن تجنب الاندفاع نحوها، لأن السياسة الأميركية مهووسة بعجز الميزانية الفيدرالية، ومشلولة بسبب المعارك الإيديولوجية حول حجم الحكومة، وتهيمن عليها سلطة الأموال الطائلة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات