أعترف بأنني لم أسمع عن مصطلح "اللهو الخفي" إلا في وقت متأخر، وأعترف بأنني حتى هذا الوقت المتأخر لم أكن قد سمعت إلا عن "اللهو المباح" و"اللهو المحرم" في كتب الفقه والشريعة، وأعترف بأنني عندما بحثت عن جذور "اللهو الخفي"، لم أجد لها أثراً إلا في فيلم قديم من أفلام الأبيض والأسود، هو فيلم "ابن حميدو" للفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، ثم وجدت له امتداداً في المسرحية الكوميدية الشهيرة "العيال كبرت"، عندما استخدمه الفنانان أحمد زكي وسعيد صالح كي يحبكا قصة خطف شقيقهما يونس شلبي على والدهم حسن مصطفى، وأعترف بأنني قد ضحكت كثيراً عندما توصلت إلى هذه النتيجة، في حين أن الموقف لا يدعو إلى الضحك، لكن "شر البلية ما يضحك"، كما قال أجدادنا العرب في أمثالهم الموروثة.

"اللهو الخفي" مصطلح أعترف بأنني وقعت في غرامه للوهلة الأولى عندما سمعته، وتخيلته عنواناً لقصيدة من قصائد نزار قباني أو رواية من روايات أحلام مستغانمي، وحلقت معه في عالم الخيال قبل أن أكتشف أن خفيفي الظل من ممثلينا الراحلين والمقيمين، أطال الله أعمارهم، قد استخدموه اسماً لعصابة تخطف وتنهب وتروع الآمنين من البشر، وأنه لم يكن ذات يوم عنواناً لقصيدة أو رواية، أو حتى قصة قصيرة.

ورغم هذا الاكتشاف المتأخر، إلا أنني تفهمت الأمر ورضيت بالواقع، لكن صدمتي كانت أكبر عندما وجدت هذا المصطلح يستخدم في ثورات الربيع العربي وينتشر، رغم تعارضه مع طهارة الثورة ونقاء من يقومون بها أو يشاركون فيها، حتى لو كانت مشاركتهم متأخرة، فكيف انتقل "اللهو الخفي" من أوكار العصابات السرية إلى ميادين الثورات وساحاتها المعروفة؟!

في أدبيات كل سلطة، عندما تقع مصيبة، دائماً ما يكون هناك طرف ثالث جاهز لتحميله المسؤولية، هو الذي يحرك الجموع ويوجه سير الأحداث، ويطل بوجهه عندما يبدأ البحث عن متهم. هذا الطرف هو "اللهو الخفي" الذي تتجه إليه أصابع الاتهام، فيصبح مسؤولاً عن كل الجرائم التي ترتكب في حق الشعوب على مرأى ومسمع من الجميع.

ورغم صفاء الطقس ووضوح الرؤية، إلا أن "اللهو الخفي" يلبس طاقية الإخفاء فلا يستطيع أحد كائناً من كان أن يراه. ساعتها يبدأ المحللون والمتحولون والمتحذلقون، في تتبع خيوط المؤامرة الكبرى التي تحاك ضد الوطن وتهدد أمنه ونسيجه الاجتماعي، فتتوجه أصابع الاتهام إلى عملاء الداخل الذين يتلقون تمويلهم من عملاء الخارج، ويبدأ أصحاب نظرية "اللهو الخفي" رحلة البحث عن هؤلاء الخونة المتآمرين على الوطن، ثم تتسع الدائرة وتنفتح زاوية الصورة لتضم إليها ممولي الخارج، الذين يتربصون بالوطن ويضمرون له شراً، ويؤلبون أبناءه عليه لأهداف بعضها ظاهر وبعضها خفي، تماماً مثل اللهو الذي يزداد خفاءً كلما تصاعدت الأحداث وازداد عدد الضحايا، فيصبح الفاعلون الذين تصورهم الكاميرات وتعرض صورهم القنوات وتتداولها المواقع، مجهولين وغير مسؤولين!

حدث هذا في كثير من بلدان الربيع العربي، وما زال يحدث حتى هذه اللحظة، فلا الشهداء الذين سقطوا أثناء هذه الثورات، وهم أحياء عند ربهم يرزقون، عرفوا من أزهق أرواحهم، ولا الجناة الذين ارتكبوا هذه الجرائم، وهي موثقة بالصوت والصورة، نالوا الجزاء الذي يستحقون جرّاء ما اقترفت أيديهم، فقد تبخروا تماماً وصعدوا إلى طبقات الجو العليا، بينما بقي "اللهو الخفي" مسؤولاً عن "بغلة عمر" التي لو عثرت بأرض العراق لكان مسؤولاً عنها لأنه لم يمهد لها الطريق، رغم أنه لم تعد بأرض العراق بغال ولا حمير، أجلّكم الله، ولم تعد بها طرق صالحة يسلكها بشر من خلق الله، بعد أن عاث "اللهو الخفي" فيها فساداً، وملأ الدنيا مؤامرات عليها.

هكذا يتساقط ضحايا "اللهو الخفي" وتتزايد أصابع الاتهام الموجهة إليه، بينما يمضي هو في طريقه غير آبه بكل هذه الاتهامات، ولا الأصابع التي تسد وجه الشمس، لكنها لا تسد ثغرة واحدة من الثغرات الكثيرة التي تشوب تلك الاتهامات، وتجعل من "اللهو الخفي" كائناً هلامياً لا يمكن الإمساك به، يغير شكله من حالة إلى حالة، ومن بلد إلى بلد، ويجعل نفسه متاحاً للاستخدام مرة من قبل هذا المعسكر، ومرة من قبل المعسكر المضاد، فهو تارة سلاح في يد اليمين، وتارة سلاح في يد اليسار، يوائم نفسه مع طبيعة الاتهام الذي يريد كل معسكر توجيهه إلى المعسكر الآخر، ويعيد إنتاج نفسه كي لا يفقد حيويته، فهو صالح للاستخدام في كل زمان ومكان.. تتغير الوجوه والأمكنة، ويبقى "اللهو الخفي" محافظاً على مكانه ومكانته في كل الأزمان والبلدان.

"اللهو الخفي" سلاح لا يقل فتكاً عن الأسلحة المحرمة، إن لم يكن أشد فتكاً منها، لأنه يمتاز بعدم قدرة المنظمات الدولية على رصده، وعدم قدرة القوى الكبرى على كبح جماحه، حتى وهي تستخدمه، لذلك فهو متاح للجميع، يستخدمه من شاء متى شاء، ويلقي عليه باللائمة من شاء متى شاء، ويحلّه من شاء متى شاء، ويحرّمه من شاء متى شاء. تستخدمه القوى والجماعات في صراعاتها للوصول إلى السلطة، وتستخدمه بعد الوصول إلى السلطة، وتستخدمه بعد الخروج من السلطة، تماماً مثلما يستعمله الأفراد في معاركهم للصعود إلى المراكز العليا والجلوس على الكراسي التي تدير العقول فلا تعود قادرة على التمييز بين "اللهو المباح" و"اللهو المحرم".

وقانا الله وإياكم شر اللهو، ما ظهر منه وما بطن، وجعل أوطاننا جميعاً في مأمن من آثاره الكارثية المدمرة.