هناك مصطلحات مقلقة لنا كمواطنين، رغم أننا تعودنا ومنذ زمن طويل على سماعها وترديدها، لدرجة أن بعضها قد أصبح يحتل مساحة كبيرة في الثقافة السائدة في المجتمع. إنها مصطلحات مثل؛ الخصخصة والاقتصاد المفتوح وتكافؤ الفرص المهنية.

هذه الكلمات على الرغم من أهميتها، إلا أنها باتت تسبب لنا قلقاً كبيراً، لأنها أصبحت مرادفة لمصطلحات أخرى تخيفنا، ألا وهي المنافسة الأجنبية والبطالة وفقدان الهوية الثقافية، وتضاؤل استخدام اللغة العربية، وغيرها من القضايا التي بات علينا التعاطي معها كجزء من حركة التغير الحاصلة في المجتمع. فما أن نسمع عن الخصخصة، مثلاً، حتى نعرف أن من سيدفع ثمنها هو المواطن.

وما أن نسمع عن مفاهيم مثل هذه، حتى نعرف أن علينا أن نشق طريقاً وعراً وبكل قوة، في فضاء واسع حتى نصل إلى أعلى درجات التميز ومستويات عالية جداً من الأداء المكلف، ليس مادياً بل قيمياً. إنها مصطلحات ومفاهيم العصر التي بات علينا التعاطي معها، بكل صراحة وواقعية وانكشاف.

هذه المفاهيم والمصطلحات، وعلى الرغم من أنها قد أصبحت الآن جزءاً من واقعنا المعاش، إلا أنها ما زالت تثير في نفوسنا الكثير من الشجون والبلبلة الفكرية، وتحثنا على المزيد من التفكر قبل قبولها النهائي في قاموسنا. فما أن جاء مصطلح الخصخصة (والاسم بالطبع مشتق من ارتباطه بالقطاع الخاص، الذي تميز بالإنتاجية وقوة الأداء والربحية والاستفادة القصوى من الموارد البشرية وكل المهارات المهنية الأخرى المتعلقة بأداء العمل.

والذي به استطاع الوصول إلى الجودة)، حتى سدد أول ضرباته للعمالة المواطنة التي بات عليها أن تدخل في حلبة المنافسة مع العمالة الأجنبية. لذا ارتبطت الخصخصة في الذهنية المحلية، ليس فقط بجودة الأداء والإنتاجية، بل وبعدائها للعمالة الوطنية التي بات عليها الصمود والمنافسة في وجه كل التحديات المهنية.

فقد حازت الخصخصة، ومنذ تبنيها، على مكانة متميزة في الإدارة، وباتت هي الحل للكثير من المشكلات الإدارية في القطاعات الحكومية، في وقت كانت فيه المؤسسات الحكومية تعاني من الترهل وانعدام الربحية وعدم الإنتاجية، كما كان الموظف فيها معروفاً بتدني الإنتاجية والبطالة المقنعة.

فلا غرو أن تكون الخصخصة هي الحل، وعلى رأس أولويات أي إدارة حكومية تهدف إلى التغيير الإيجابي والاستفادة القصوى من الموارد المادية والبشرية المتاحة. ولذا حازت الخصخصة نصيب الأسد في الاستراتيجيات المستقبلية، وكذلك في الذهنية المحلية، خاصة عندما طالت الخصخصة التعليم والخدمات الصحية وكثيراً من الخدمات الاجتماعية، محققة أهدافها المادية وإن تركت وراءها ترسبات اجتماعية وقيمية عديدة.

من ناحية أخرى، تثير مفاهيم مثل القدرة على المنافسة وتعزيز الأرباح، حفيظة البعض على الرغم من أهميتها، على اعتبار أنها مصطلحات لها توابع أخلاقية عديدة. فالقدرة على المنافسة في فضاء مفتوح والوصول إلى أقصى مستويات الربحية والعائد المادي، أصبحت تعني للبعض طريقاً واحداً لا بديل له، ألا وهو التخلي عن المبادئ والقيم الأخلاقية، حتى يتم الوصول إلى الغايات التي توصلنا في نهاية المطاف إلى أهدافنا المعلنة.

وعلى الرغم من أنه يمكن الوصول إلى تلك الغايات دون التضحية بالقيم الأخلاقية، إلا أن الرغبة في الوصول السريع وتحقيق الربح، وهي قواعد تتحكم كثيراً في اقتصاد السوق، تحتم في الكثير من الأحيان التراخي في تطبيق القوانين، أو حتى التضحية بها في سبيل الوصول السريع إلى الأهداف المعلنة. لذا أصبح التمسك بالقيم والمبادئ والتحلي بروح المسؤولية الأخلاقية صعباً للغاية، في وجه كل أنواع التيارات المختلفة التي تتصارع لشق طريقها في مجتمعنا، فالكل يريد الوصول إلى هدفه بسرعة قصوى.

وفي واقع الأمر فإن مجتمعنا نجح عبر العقود الماضية، في تحقيق الكثير من أهدافه عبر استراتيجيات معلنة وأخلاقية، ولكن هذا لا يعني أنه اختار دوماً الطريق السهل والخالي من الأشواك، بل يمكن القول إن من الطرق التي اجتازها ما يعد طرقاً صعبة وتضاريسها متعرجة نسبياً.

ولكن مجتمعنا استطاع الوصول بكل دقة إلى أهدافه، على الرغم من التضحيات الكثيرة التي بذلت. ففي خضم حركة التغيير التي مر بها مجتمعنا، كانت المسؤوليات مضاعفة على القيادة وعلى إنسان هذه المنطقة، وكان على الاثنين تجاوز إفرازات هذه المرحلة بأقل نسبة من الخسارة المجتمعية، حفاظاً على المصالح العامة.

خلال هذه المرحلة تم تطبيق ممارسات مجتمعية ومهنية متعددة، رغبة في الوصول إلى الأفضل والأحسن، وعلى الرغم من ذلك لا يمكن القول إننا قد حققنا ذلك بكل سهولة ودون أي تضحية. فعندما جاء وقت مراجعة النتائج، وجدنا أن مجتمعنا قد حقق نسبة عالية من إنجاز الأهداف.وإن ترتبت عليها تضحيات دفعها إنسان هذه المنطقة، من قيمه التي تأثرت ومن ثقافته التي تغيرت ومن مجتمعه الذي تبدل وتغير. وفي خضم حركة التغيير تبنت الإدارات المختلفة والمتعاقبة، الكثير من المفاهيم والمصطلحات التي أثرت على مجتمعنا سلباً وإيجاباً.

إن غالبية شعوب العالم التي تأثرت بحركة التغيير، قد طالها ما طالنا من متغيرات وتحديات، ولكن قليل منها تعامل مع حركة التغيير بالطريقة التي نتعامل بها نحن. فقد وضعنا خططاً واستراتيجيات لتفادي الآثار السلبية لحركة التغيير الحاصلة لدينا، كما أن هناك وعياً مجتمعياً متنامياً للآثار الاجتماعية الناتجة عن ذلك التغيير.

ولكن هل لدينا الاستعداد الكافي للتعاطي مع مخرجات ذلك التغيير؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة في هذه الفترة.