من المفارقات الجديرة بالاهتمام في السياسة الأميركية، اليوم، أن الحزب الديمقراطي الذي فاز بالرئاسة يعاني، مثله مثل الحزب الجمهوري الذي خسرها، من أزمة داخلية. فالحزب الجمهوري يعاني من خطر الانقراض، بينما الحزب الديمقراطي يعاني من خطر التفتت. وهو الأمر الذي قد يؤثر في مستقبل كل منهما وفي مستقبل النظام الحزبي نفسه، بل وعلى عملية صنع القرار السياسي في أميركا.
فالحزب الجمهوري نجح خلال الحملة انتخابية في استعداء قطاعات واسعة في المجتمع، ولم يحصل على أغلبية أصوات أي من تلك القطاعات، باستثناء البيض من الذكور الأكبر سناً. وتلك أزمة حقيقية قد تؤدي حال بقائها، إلى اختفاء الحزب من الساحة السياسية في المستقبل المنظور.
فالحزب الجمهوري سار طوال العقود الأخيرة عكس اتجاهات المجتمع الأميركي، فهو منذ حركة الحقوق المدنية في الستينات، سعى للفوز في الانتخابات الفيدرالية عبر اجتذاب البيض المحافظين، بالذات في ولايات الجنوب، الذين لم يقبلوا مساواة الأقليات بهم، واعتبروا أن الحقوق المتساوية تأتي على حسابهم في الوظائف والفرص. وقد ازداد حرص الحزب خارج الجنوب، على اجتذاب قطاعات البيض التي هربت من المدن بشكل منتظم، كلما ازدادت فيها نسبة الأقليات ولجأت للضواحي.
ومع بداية الثمانينات، انضم اليمين الأصولي المسيحي للحزب، ثم صار أحد أهم القوى المهيمنة على مقدراته. وقد ظل الحزب يزداد انجرافاً نحو اليمين، بفعل قوى أخرى داخله، مثل المحافظين الجدد واليمين الاقتصادي المنحاز لمصالح الأغنياء وأصحاب الأعمال.
ثم نشأت حركة «حفل الشاي» بعد انتخاب أوباما لتكتمل الدائرة، فصار الحزب يعبر عن مواقف وسياسات استعدت المرأة والأقليات والشباب، الأمر الذي أدى بالحزب إلى خسارة كل تلك القوى بانتظام، وهو ما كان بادياً في انتخابات بعد أخرى، إلى أن خسر أغلبية كل منها في انتخابات الرئاسة هذا العام.
والحقيقة أن الحزب ظل وسيظل بإمكانه أن يفوز في الانتخابات بأصوات البيض وحدهم، طالما ظل البيض يشكلون أغلبية الناخبين.
لكن الواقع يقول إن نسبة الأقليات إلى مجموع الناخبين تزداد باطراد، حتى إن البيض سيصبحون أقلية في غضون عقدين أو ثلاثة على الأكثر، وهو ما يعني أن الحزب في حاجة لمراجعة شاملة لمواقفه وسياساته، حتى لا يلقى مصير أحزاب أميركية قبله انقرضت، بعد أن صار جمهورها محدوداً للغاية، فعجزت عن المنافسة في كل الولايات الخمسين.
أما الحزب الديمقراطي، فإن أزمته من نوع مختلف، وقد بدأت إرهاصاتها الأولى مع حملة كلينتون الأولى للرئاسة في 1992. في ذلك العام، كان الحزب الديمقراطي قد فشل منذ نهاية الستينات في الفوز بالبيت الأبيض على مدار ثلاثين عاماً، باستثناء مرة واحدة فقط هي فوز جيمي كارتر عام 1976 ولمرة واحدة فقط.
فبعد الرئيس جونسون الديمقراطي، تولى الجمهوريان نيكسون وفورد، ثم جاء كارتر لمدة أربع سنوات، ليليه 12 عاماً من حكم الجمهوريين تحت رئاسة ريغان ثم بوش الأب.
لذلك، صعد في الثمانينات تيار اليمين في الحزب الديمقراطي، الذي قدم تفسيره الخاص لأسباب هزيمة الحزب المتتالية. فقد أرجعها إلى أن الحزب ذهب بعيداً نحو اليسار، على نحو استعدى قطاعات واسعة من الناخبين المستقلين. وقد قام كلينتون الذي يمثل يمين الحزب الديمقراطي، بجر حزبه نحو اليمين، وفق استراتيجية انتخابية هدفت في الأساس إلى جذب أصوات المستقلين.
لكن نجاح تلك الاستراتيجية كان يعني بالضرورة تهميش الجناح التقدمي في الحزب، وتجاهل مطالب قطاعات واسعة من قاعدته الأساسية كالعمال والسود، بمنطق انتهازي مؤداه أن تلك القطاعات ستعطي أصواتها للحزب مهما فعل بها، لأن التصويت للحزب الجمهوري يمثل خطراً أكبر على مصالحها.
وبالفعل، نحا الحزب الديمقراطي مزيداً نحو اليمين في عهد كلينتون، وهو التوجه الذي تبناه أوباما حين وصل للحكم، ما أدى لحالة إحباط بين قواعد الحزب الديمقراطي والتيار التقدمي، الذين توقعوا من الأخير اتخاذ مواقف تعبر عنهم بعد أن حملوه حملاً للبيت الأبيض في 2008.
لكن المفارقة هي أن أولئك الذين خذلهم أوباما، اضطروا في انتخابات 2012 لأن يفعلوا بالضبط ما توقعه تيار اليمين الديمقراطي منهم، وهو التصويت لأوباما رغم عدم رضاهم عن أدائه، خوفاً من فوز الجمهوريين بالرئاسة.
غير أن تلك التجربة المريرة التي تكررت في عهد كلينتون ثم أوباما، أدت اليوم لعملية مراجعة شاملة تقوم بها تلك القطاعات، تبحث من خلالها ما إذا كان من الأفضل لها البقاء داخل الحزب الديمقراطي والدفع من داخله لإحداث التوازن المطلوب، أم هجر الحزب بالكامل وبناء حزب جديد يعبر عنها، ويمثل بدرجة أكبر القطاعات العريضة من قاعدة الحزب من الأقليات والمرأة والشباب.
اللافت للانتباه في أزمة الحزبين، أن داخل كل منهما تياراً قوياً ينكر وجود مشكلة أصلاً، الأمر الذي يعني تفاقم الأزمة إذا ما هيمن ذلك التيار، فتفاقم الأزمة معناه تحول راديكالي في طبيعة النظام الحزبي الأميركي نفسه.
فاستمرار الحزب الجمهوري على حاله يعني غيابه من على الساحة، الأمر الذي يؤدي لأن تدخل الولايات المتحدة في مرحلة الحزب الواحد المهيمن، أي الحزب الديمقراطي، الذي يدير البلاد مع أحزاب صغيرة ضعيفة، وليس لها وجود قوي في كل الولايات.
أما إذا تفتت الحزب الديمقراطي وهجره الجناح التقدمي، فسنكون إزاء حزبين يمينيين في أميركا، ما يدفع بالولايات المتحدة نحو المزيد من التطرف في السياسة الداخلية والخارجية معاً، أو نكون إزاء أحزاب ثلاثة، ما يضع نهاية لنظام الحزبين، الذي ظل هو الحاكم في أميركا منذ كتابة الدستور الأميركي نفسه.