وفقا لأحدث إحصاءات وزارة الإدماج الإسرائيلية، فقد سجلت هجرة اليهود من فرنسا إلى إسرائيل خلال الشهور الثمانية الأولى من 2012، تراجعا بنسبة 11% قياسا بالفترة ذاتها من العام 2011.. إذ هاجر إلى إسرائيل في هذه الفترة 1331 شخصا، مقابل 1500 للفترة ذاتها من العام الماضي. وفي بيانات أخرى عن جهاز حماية الطائفة اليهودية في فرنسا، ثبت أن الشهور المذكورة شهدت تزايد منسوب ما يدعى بحوادث العداء للسامية، التي تستهدف هذه الطائفة، بمعدل 45%.
هذه العلاقة العكسية، بين ما يعتقد أنه اضطهاد لليهود وبين هجرتهم إلى إسرائيل، تتجافي كليا وما تزعمه الصهيونية من أن "أرض الميعاد هي الحل النهائي للمسألة اليهودية أو العداء للسامية..".
نحن بصدد حقائق مثيرة، ومع ذلك فإن علينا وأهل الاختصاص متابعة هذه العلاقة، فإن تواترت بتكرارية ملحوظة في المجتمعات التي تضم طوائف يهودية، تأكدنا مجددا من قناعة تستحق الاستذكار والتعميم وربما التقنين؛ هي انتفاء دعوى حاجة اليهود إلى وطن قومي، بذريعة تأمينهم من غوائل مزاعم الاضطهاد المصبوب عليهم في مجتمعاتهم الأم.
والحق أن مستنيرين يهودا، فضلا عن قامات فكرية مرموقة من الشرق والغرب، من العاطفين على التطور الديمقراطي الحقيقي ومقاومة التمييز العنصري، توصلوا إلى هذه القناعة قبل مئة عام أو يزيد. وحين كان تيودور هرتزل وبطانته من الصهاينة الأوائل، ينادون بالحل الصهيوني للمسألة اليهودية، كان هناك من نددوا بهذا الحل الانعزالي واستنكروه، مطالبين بضرورة انخراط اليهود جنبا إلى جنب مع مواطنيهم في مختلف المجتمعات، لأجل الحل الديمقراطي الإدماجي لليهود وسواهم.
من دواعي الأسى أن الدعوة الصهيونية تمكنت من الظفر على أصحاب هذا الحل الكفاحي الإنساني التسامحي، مستغلة في ذلك مطامع القوى الاستعمارية التي ردفتها بأسباب القوة المادية والمعنوية اللازمة.. ولم يتورع هذا التحالف الصهيوني الاستعماري البغيض، عن افتعال الجرائم العنصرية والحوادث الإرهابية ضد اليهود القارين في بعض المجتمعات، بهدف إقناعهم بأن خلاصهم وأمنهم الذاتي لن يتحققا إلا بالهجرة إلى "أرض الميعاد".
حدث هذا مثلا عبر اضطلاع الاستخبارات الصهيونية، قبل 1948 وبعدها، بعمليات إجرامية ضد يهود العراق واليمن، لإثارة "ذعر فئوي جماعي" في أوساط اليهود العرب عامة، بما يسوقهم، وقد ساق معظمهم فعلا، للهجرة إلى "أرض إسرائيل".
في غمرة هذا التوجه، أسقط هؤلاء من حساباتهم الجهنمية الآلام والشرور التي تسببوا في وقوعها لأصحاب هذه الأرض، من الفلسطينيين وجوارهم القومي العربي، وانتهاك السلم والأمن في رحاب الشرق الأوسط، بل ووضع العالم برمته على صفيح ساخن. هذا علاوة على إدمان القلق وقلة الراحة اللذين وقع المهاجرون في إسارهما، بعد أن تحولوا إلى مستوطنين محتلين لبلد، وراءه من يطالبون بحقوق تاريخية وقانونية وإرث حضاري متجذر فيه.
لعل وعي يهود فرنسا بهذه الحقائق، أحد العوامل التي جعلت بعضهم يفصلون بين مزاعم اللاسامية ورد الفعل الذي تبتغيه الصهيونية، أي الهجرة إلى إسرائيل. فالهجرة في جوهرها سلوك استعماري استيطاني، وليست مجرد بحث عن ملاذ آمن لقوم غير آمنين.
من المؤشرات التاريخية ذات الدلالة في هذا السياق، أن الثورة الفرنسية (1789) أصدرت بعد عامين فقط من قيامها، قانونا لتحرير اليهود ومنحهم حقوقا مساوية لغيرهم من المواطنين.. لكن النزوع الاستعماري للنخبة الفرنسية "الثورية" الحاكمة، تغلب على الأبعاد الديمقراطية والإنسانية للثورة، لدرجة أن يتولى نابليون بونابرت، بعد أقل من عشرة أعوام على سن ذلك القانون، دعوة اليهود إلى إنشاء دولة لهم في فلسطين، تكون تابعة لفرنسا وخادمة لأطماعها في الشرق، وقاعدة لقطع طريق الهند على المنافس البريطاني.
التناقض واضح هنا بين مساعي دمج اليهود ديمقراطيا في مجتمعاتهم ونبذ عوامل اضطهادهم، وبين اتجاه عزلهم عن تلك المجتمعات بدفعهم إلى وطن يقام لهم في الشرق. وقد كانت القوى الصهيونية عونا لأصحاب الاتجاه الانعزالي ضد مساعي الدمج، ودأبت على تكثيف الأضواء على مظاهر اضطهاد اليهود داخل أوروبا وخارجها، وتزيين فكرة الهجرة إلى "الملاذ الإسرائيلي".. وهذا أحد أعمالها القبيحة، والذي ما زالت عاكفة عليه إلى هذا اليوم.
غير أن خطاب هذه القوى يوشك، في ما يبدو، على فقدان بريقه وجاذبيته، بالنظر إلى التعاكس المشار إليه بين تصاعد ما يسمى بموجة العداء للسامية، وبين ضمور معدل الهجرة إلى إسرائيل في المثال الفرنسي.
والظاهر أيضا أن يهود فرنسا لاحظوا أن تصاعد "العداء للسامية"، قد تزامن مع صعود مواز لما يسمى بالإسلاموفوبيا وحالات التعدي على مواطنيهم من المسلمين. وعليه، ربما أدركوا أن عليهم النضال المشترك ضد التطرف والتمييز بكافة أنماطه، وليس الهروب بعيدا إلى الحل الصهيوني البغيض.