يوم الخميس الماضي، تعرض المخرج المصري خالد يوسف للاعتداء عليه من قبل أنصار المرشح الرئاسي السابق حازم صلاح أبو إسماعيل، أمام مدينة الإنتاج الإعلامي، بينما كان في طريقه إلى قناة "المحور" لاستضافته في برنامج "حدوتة مصرية"، الذي يقدمه الإعلامي سيد علي. وأدى الاعتداء إلى تحطيم زجاج سيارته، بعد أن نجح سائقه في الهروب من المعتدين الذين تجمعوا حولها، وإفشال خطتهم في الإمساك به.
خالد يوسف من المخرجين الذين تركوا بصمة على شاشة السينما العربية، وله مواقف معروفة ضد الفساد، وكان من أوائل الفنانين الذين نزلوا إلى ميدان التحرير في ثورة 25 يناير 2011، وكثيرا ما تثير أفلامه جدلا حولها، ولعل أكثرها إثارة للجدل فيلم "هي فوضى"، الذي اشترك في إخراجه مع أستاذه يوسف شاهين أواخر عام 2007، وكان آخر فيلم يخرجه يوسف شاهين قبل رحيله عام 2008.
يرصد الفيلم إرهاصات الثورة، ويجسد صور الفساد والفوضى التي يزخر بها المجتمع المصري، والمتمثلة في الرشوة والمحسوبية والسيطرة الغاشمة للسلطة وتزوير الانتخابات والقمع والكبت، وذلك من خلال شخصية أمين الشرطة "حاتم"، الذي يستغل منصبه لتحقيق مآربه الشخصية ومصالحه الخاصة، حيث يتمكن من امتلاك كل ما يريده إلا قلب جارته المدرسة الشابة "نور"، التي تفضل عليه وكيل النيابة صاحب المبادئ "شريف" الذي يتصدى للفساد ويقاومه، الأمر الذي يدفع "حاتم" إلى اختطاف "نور" واغتصابها، لتنتهي الأحداث بثورة جماعية من قبل سكان الحارة الذين يطيحون بأمين الشرطة.
في دلالات الأحداث والشخصيات، يرى النقاد والمحللون أن "حاتم" يرمز إلى السلطة الغاشمة، بينما ترمز "نور" إلى مصر النقية الصابرة التي يؤدي الاعتداء عليها إلى ثورة جماعية ضد السلطة.
وهي دلالات لها ما يؤيدها ويبررها على أرض الواقع، لكن الذي لا يمكن تأييده ولا تبريره، هو أن تستمر الفوضى بعد الثورة، وأن يتم الاعتداء على أولئك الذين بشروا بها وأشعلوا شرارتها وشاركوا فيها منذ اليوم الأول لاندلاعها، فهل كان الفيلم نبوءة تحققت ثم انقلبت على أصحابها، وكان خالد يوسف أحد ضحاياها، ولن يكون الأخير ولا الوحيد بالطبع؟
إنها الفوضى إذن، ذلك الذي نشاهده على الساحة. ليس مهما أن تكون هي "الفوضى الخلاقة" التي بشرت بها "كونداليزا رايس" وزيرة خارجية "جورج دبليو بوش" الابن، أو أن تكون هي تلك التي جاءت في أدبيات الماسونية القديمة، بكل ما يحيط بهذه الحركة من غموض يدخلها في دائرة الحركات السرية المشبوهة التي لا نعرف عنها إلا القليل.
لا نتحدث عن ما يحدث على الساحة العربية الآن، والذي بدأ قبل سنتين في مثل هذا اليوم من عام 2010، فيما سمي بـ"ثورة الياسمين" التي اندلعت في تونس، لتمتد آثارها وتنتشر شرارتها في المنطقة العربية كلها، مقتلعة أنظمة عتيدة حكمت شعوبها عقودا طويلة بالنار والحديد.
وإنما نتحدث عن ما بدأ قبل عشر سنوات من الآن بغزو العراق واحتلاله واقتلاع نظامه، وفق تبريرات اتضح أنها واهية لا ترقى إلى درجة إعلان الحرب على دولة، وإسقاط نظامها وتغيير خارطة التوازنات السياسية والطائفية والعرقية فيها، ثم تسليمها لقمة سائغة لإيران التي فشلت في إسقاط نظام العراق عبر حرب استمرت 8 سنوات، لتجد من يقدمه لها بعد ذلك على طبق من ذهب، كي تمسك بخيوط اللعبة السياسية في هذا البلد العربي، تحركها كيف تشاء، وفقا لأهدافها ومصالحها، واتجاه البوصلة الذي تريد.
كانت "الفوضى" أبرز سمات مشهد ما بعد سقوط بغداد في التاسع من إبريل عام 2003، حيث بدأت عمليات سلب ونهب واسعة في مدن العراق، سجلت الكثير منها كاميرات التلفزيون وشاهدها العالم أجمع، في الوقت الذي اكتفت فيه قوات الاحتلال الأميركي بحماية وزارتي النفط والداخلية فقط، بحجة عدم توفر العدد الكافي من الجنود، بينما تُرِكت المؤسسات الأخرى والبنوك والمستشفيات والمتاحف ومخازن الأسلحة والمنشآت النووية وغيرها بدون حماية، بعد أن حل الحاكم الأميركي "بول بريمر" الجيش العراقي، لتدب الفوضى في أنحاء العراق، وتستباح أرضه من قبل كل الطوائف والتيارات والمنظمات والجماعات، التي لم تكن تجرؤ على الاقتراب من حدوده قبل الاحتلال الإميركي، حتى وهو في أسوأ مراحل ضعفه.
وها نحن نرى المشهد نفسه يتكرر في دول "الربيع العربي"، الذي تحول في نظر الكثيرين إلى ربيع كاذب، بعد كل هذه الفوضى التي نشرها في ربوع الدول التي مر بها، وحوّلها إلى دول ميليشيات وفصائل وجماعات، يهاجم بعضها سفارات الدول وبعثاتها الدبلوماسية ويقتل سفراءها، ويحاصر بعضها مؤسسات القضاء ويمنع رجال القانون من الدخول إليها، ويقيم بعضها الحواجز أمام المدن الإعلامية ليحول دون وصول المعارضين إلى القنوات التي تبث منها ويرعب العاملين فيها، ويحبس بعضها الأئمة والمصلين في المساجد بحجة أنهم يدعون الناس إلى التصويت على الدستور بنعم.
يحدث كل هذا في غياب الدولة وأجهزتها الأمنية والشرطية عن المشهد تماما، ليؤكد لنا أنها الفوضى التي لا نعرف إلى أين ستقودنا، رغم الأمل الذي نحاول أن نتمسك بخيوطه الواهية كي لا نتردى إلى الهاوية. فليس أسوأ من الفوضى سوى الانقسام، وليس أسوأ من الانقسام سوى الانتقال من مرحلة الدولة إلى مرحلة الفصيل والجماعة، فلسنا بحاجة إلى "صومالات" تعيدنا إلى نقطة الصفر، وتعيد خلط الأوراق من جديد لتصنع مستقبلا أسوأ من الحاضر الذي نعيشه بكل ألم وأسف وحرقة.