دفعت استراتيجية الولايات المتحدة، في حقبة ما بعد الحرب الباردة، لصناعة شرق أوسط جديد بمقاسات لا تتعارض مع مصالحها على المدى البعيد، والتي ابتدأ طورها الأول باحتلال العراق، ثم اتجهت في طورها الثاني نحو دعم انتفاضات الشعوب في بعض الدول العربية في ما اصطلح عليه بالربيع العربي.
دفعت هذه الاستراتيجية بأحزاب الإسلام السياسي إلى مواقع متقدمة في تقرير مصير الدولة، سواء باستلام مباشر للسلطة كما هو الحال في العراق وفي مصر، أو بشكل غير مباشر من خلال الثقل الذي حصلت عليه في البرلمان كما هو الحال في تونس وفي ليبيا.
والحقيقة أن الانتقال الكبير لوضع هذه القوى التي دأبت قياداتها على العمل من خلال إقامتها في المخابئ السرية لعشرات السنين، فرض عليها واقعا جديدا فيه الكثير من الضبابية، فموقع المعارضة غير موقع السلطة، والطريق للتأقلم مع أجواء الوضع الجديد ليس بالضرورة سالكا.
وغني عن القول أن أحزاب الإسلام السياسي هذه لم تكن لتحظى بالفرصة التي سمحت لها بالحصول على ما حصلت عليه من مكاسب كبيرة لم تحلم بها، لولا تدخل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، سواء بشكل إسناد مباشر أو غير مباشر لإسقاط الأنظمة السابقة.
وبالتالي فإن عليها استنادا لذلك، أن لا تنسى أن الدعم الغربي الذي تلقته واستفادت منه، يفرض استحقاقات عليها أن لا تتغافل عنها، وهي استحقاقات لا تتعارض، في المرحلة الراهنة على الأقل، مع رغبات الشعوب التي انتفضت ضد طغيان حكامها. وفي مقدمة هذه الاستحقاقات، الالتزام بالإبقاء على المعالم الأساسية للعملية السياسية، التي وفرت لهذه القوى فرصة الصعود إلى السلطة.
قوى الإسلام السياسي هذه صعدت إلى المواقع المتقدمة في السلطة عبر صناديق الاقتراع في انتخابات لا يمكن الطعن في مصداقيتها، إلا أن ممارساتها بعد وصولها إلى السلطة بدأت تطرح، على أكثر من صعيد، تساؤلات جدية حول مصير الحقوق والحريات المدنية والسياسية والدينية، في ضوء توجهها لإعادة استنساخ أنظمة ديكتاتورية جديدة تكرس أجندتها فحسب، وتهيئة أصنام جدد لهذه المهمة يتمترسون وسط حماياتهم وراء الحواجز الكونكريتية.
الديمقراطية ليست كما تريدها أحزاب الإسلام السياسي، مجرد صيغ باهتة تكتب في الدستور ووسيلة مضمونة في مجتمعات يسود فيها الجهل للصعود إلى السلطة، بل هي قبل أي شيء آخر، ممارسة لاحترام الإنسان وحفظ لكرامته واحترام رأيه ومعتقده وطقوسه، في الحدود التي لا تتعارض أو تسيء إلى حريات وحقوق الآخرين، كما نصت على ذلك أبرز الشرائع العالمية.
فقد ورد في المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة وأصدرته في العاشر من ديسمبر عام 1948، أن "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء".
والحقيقة أن هذه الدعوة لاعتماد قيم عالمية، لا تتعارض من حيث المبدأ مع أي دين أو معتقد، بل تسمح بوجود مشتركات تفتح الآفاق نحو علاقات إنسانية أكثر قوة، بين مختلف الانتماءات العرقية والدينية والمذهبية والسياسية.
وتوفر المناخ للسلم الأهلي. فوجود قيم عالمية ضرورة من ضرورات العصر، الذي أصبح فيه الإنسان أكثر حرصا على التمسك بالسلم والابتعاد عن النزاعات والحروب التي خاضتها البشرية على مدى قرون عديدة عبر التاريخ. أما على المستوى المحلي فالقيم المشتركة تعمل على ترسيخ معالم الحياة المدنية، وتخفف من حدة التشنجات بين مختلف مكونات المجتمع.
لكن ذلك يصطدم بجدار سميك جدا من المقاومة غير المعلنة، من قبل أحزاب الإسلام السياسي، وذلك لأن اعتماد هذه المشتركات يسحب البساط من تحت أقدامها، ويعرض للمساءلة النفوذ السياسي والفقهي الذي تحرص هذه المؤسسات على أن تكون المرجع فيه.
لقد أصبحت حقوق الإنسان في الحصول على التعليم وعلى الخدمات الصحية وعلى الدخل الذي يوفر العيش الكريم، وضمان حقوقه في إبداء الرأي في تشكيلة المؤسسات القائمة، ابتداء من المجلس المحلي وانتهاء بالحكومة المركزية، من المشتركات العالمية، لأنها تتفق تماما مع طموحات أي إنسان، سواء كان إفريقيا أو أوروبيا أو آسيويا.
ولسنا بصدد إعادة تكرار ما كتب وما قيل حول بناء الدولة الديمقراطية، إلا أننا نجد أن من الضروري التركيز على أهم الأعمدة اللازمة لهذا البناء، وهو الإنسان نفسه الذي يصبح هو أو طاقمه أو حزبه في هرم السلطة أو في هرم المعارضة.
ولا يكفي أن يدعي أنه قد حصل على شرعية وجوده عن طريق صناديق الاقتراع في انتخابات ديمقراطية، بل عليه أن يبرهن على أنه يؤمن بالديمقراطية حقا، من خلال ممارساته وممارسات طاقمه وحزبه.
عليه أن يبرهن من خلال ذلك، على أن النهج الديمقراطي الذي أوصله لكرسي الحكم يستحق أن يُحترم ويُلتزم به، وأن السلطة التي منحت له ليس من حقه استخدامها كوسيلة لإضعاف القوى الأخرى وسلبها حقوقها، وهي ليست وسيلة للتمتع بميزات الحكم، وإنما للتميز عن الآخرين في تقديم الخدمات للشعب.
وإذ توظف أحزاب الإسلام السياسي الدين أو المذهب في الحياة السياسية، فإنها تعمل بتخطيط وفق أجندتها الشمولية المعادية للديمقراطية، على الاستئثار بالحكم وتفريغ الديمقراطية، التي استخدمتها كمطية للوصول إلى السلطة، من محتواها الحقيقي، وتحويل أجهزة الدولة من جديد إلى أدوات قمع وإرهاب. فهي حين تزج بقسم من الشعب وتضعه في مواجهة قسم آخر.
وهو ما يحدث في أكثر من بلد عربي تبرقع بالديمقراطية (!!)، فهي تعمل على تعزيز ثقافة الانفصام في المجتمع، وتمعن في تمزيق لحمته، وتعرض السلم المجتمعي للخطر، وتدفع بقيم المواطنة إلى الوراء، وتوفر الأجواء للكثير من التداعيات الخطيرة المحتملة لأن تأخذ طريقها لتصبح واقعا يضعف من قدرات البلد وربما يدمره.