مرت احتفالات العيد الوطني الحادي والأربعين بكل زخمها وزهوها ومفاجأتها المفرحة واحتفالاتها التي ضمت الكبير والصغير، المواطن والمقيم . انتابنا جميعاً شعور رائع وإحساس وطني مفعم بالفخر. فها هي إماراتنا الحبيبة تجتاز عقدها الرابع وتدخل بخطى واثقة عقدها الخامس متوجة بحب وولاء شعبها. دولتنا التي بدأت قبل أربعة عقود ببدايات متواضعة تشارك اليوم بفعالية في صنع القرار العالمي اقتصادياً وسياسياً ودبلوماسياً، دولة تعد بحق مفخرة لجميع العرب.
كثيرة هي التهاني والتمنيات التي تلقيناها، وكثيرة هي الأماني الحلوة التي سمعناها ولكن أمنية واحدة فقط ظلت ماثلة أمام أعيننا نتمنى أن لا يأتي العيد الوطني الثاني والأربعين إلا وقد تحقق جزءاً كبيراً منها. وكما كانت هذه الأمنية ماثلة أمامنا كانت أيضا متواجدة بقوة في قلوب وعقول صناع القرار.
فقد أعلنتها قيادتنا صريحة وعبرت عنها بكل السبل لأنها متعلقة بالمواطن التي وضعت القيادة الرشيدة رفاءه كأولوية قصوى. هذه الأمنية هي التوطين. قيادتنا وعلى لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، أعلن بأن عام 2013 سوف يكون عاماً للتوطين. ومنذ ذلك الإعلان ساد نوع من الارتياح بين المواطنين. فعلى الرغم من الخطوات الكثيرة التي اتخذت على مر السنوات الطويلة الماضية في هذا الشأن إلا أن عملية التوطين كانت تسير ببطء شديد.
هذا البطء ليس مرده فقط التشريعات غير الملزمة للقطاعين الخاص وشبه الخاص بل مرده أيضا الطبيعة الديمغرافية للإمارات والطبيعة الاجتماعية لمجتمعنا وبحالة الطفرة التي تمر بها الدولة بوجه عام. هذا ما جعل عملية التوطين بطيئة على الرغم من القناعات الكبيرة بضرورتها.
لم تكن قضية التوطين غائبة عن الأذهان في العقود الأربعة الماضية بل أن مراجعة متأنية للوثائق الرسمية والأدبيات المروية تظهر لنا بأن التوطين كان أولوية قصوى منذ السنوات الأولى للاتحاد. كان التوطين حاضراً وبقوة في ذهن الآباء المؤسسين الذين حرصوا منذ اليوم الأول لقيام الدولة على الاهتمام بالكوادر الوطنية وتأهيلها لحمل شعلة الاتحاد. ولكن نظرا لقلة العنصر البشرى المواطن آنذاك.
وعدم وجود الكوادر المؤهلة استعاضوا عن التوطين بالتعريب. فلم يكن غريباً أن نجد أن بعض الوظائف القيادية الكبرى تشغلها كوادر عربية شاركت معنا وبكل حب وفخر في وضع اللبنات الأولى للكثير من المؤسسات العامة في الدولة. وعلى الرغم من ذلك ظل التوطين أولوية وهاجسا يراود فكر صناع القرار .
كان زايد يحلم بذاك اليوم الذي يرى فيه أبناءه المواطنين وقد حصلوا على أعلى الدرجات العلمية التي تؤهلهم لتقلد كافة المناصب القيادية والإدارية العليا. ولم يكن إصرار زايد على إنشاء جامعة الإمارات للتباهي أمام العالم بأننا نملك جامعة.
ولكن للتباهي بأننا نملك كوادر بشرية مواطنة مؤهلة يمكنها سد النقص في سوق العمل. وما أن أكمل الاتحاد عقده الأول إلا وكان حلم زايد قد تحقق وتم تخريج أول فوج من الجامعة الوطنية الأولى لكي توفر لسوق العمل كوادر مؤهلة سدت جزءا من احتياجات المجتمع المحلي آنذاك.
لقد وضع الآباء المؤسسون للتوطين سياسة واضحة أتت أكلها في السنوات اللاحقة. وسار الأبناء المؤسسون على نفس السياسة. فقد حرصوا على التيقن بأن المؤسسات التعليمية العليا قادرة على رفد سوق العمل بحاجته من العمالة المواطنة الماهرة والمدربة حتى لا يأتي اليوم الذي نضطر فيه الى الاعتماد على الآخرين. ويدل على هذا التوجه ذلك العدد الهائل من مؤسسات التعليم العالي وتنوع برامجها وتميزها.
فقد بلغت مؤسساتنا التعليمية من الجودة والتميز مبلغا جعلها مصدر جذب ليس فقط لأعداد كبيرة من المواطنين والمقيمين في الدولة بل ولمئات الطلاب من جميع أنحاء العالم الذين جاؤوا الينا ليستفيدوا من تقدم ورقي مؤسساتنا التعليمية.
لقد نجحت الإمارات في الاستثمار في الإنسان بتأهيله وتدريبه حتى أصبحت اليوم تمتلك كوادر بشرية نفخر بها، كوادر أثبتت كفاءتها العالية عند مقارنتها بغيرها ونجحت في كسر تلك المنافسة القوية في سوق العمل بفضل تفانيها وإحساسها الوطني. هذه الكوادر تستحق أن نرعاها ونزيل من طريقها كافة المعوقات الوظيفية ونساندها لأنها الاستثمار الباقي .
ولكن على الرغم من وجود المئات من الكوادر المواطنة المؤهلة الا أن الخلل في سوق العمل لا يزال واضحاً والفجوة بين نسبة العمالة المواطنة والوافدة تتضاعف كل يوم. ويرجع هذا الخلل إلى عوامل كثيرة يأتي على رأسها الاقتصاد المفتوح والمنافسة القوية بين القطاعات المختلفة والنظرة الفوقية إلى الأجنبي بوصفه أكثر كفاءة وقدرة من المواطن وربط بعض الممارسات بالجودة العالمية. هذه القضايا هي المسؤولة عن ذلك الخلل الذي يعاني منه سوق العمل وهو السبب في مراوحة قضية التوطين في مكانها.
إن التوطين أصبح الآن ليس فقط ضرورة اقتصادية بل ضرورة وطنية خاصة في ظل ارتباط كثير من الملفات الوطنية الحساسة به. فهناك حاجة كبيرة إلى ترتيب سوق العمل وإحلال المواطنين في الكثير من الوظائف التي يسيطر عليها الأجانب حالياً. كما أننا بحاجة للتخلص من ذلك الكم الهائل من العمالة الهامشية الرخيصة لإعادة التوازن لسوق العمل.
فهناك وظائف كثيرة اليوم لا تحتاج لعدد كبير من العمالة خاصة في ظل تطور التقنيات الحديثة. فلدينا مثلًا أسرع مترو في العالم لا يسير بواسطة سائق، ولدينا العديد من الوظائف التي لا تحتاج إلا إلى عدد صغير من الموظفين لإدارتها. كما أن تغير العقلية الاجتماعية تجاه المواطن وقدراته خاصة في ظل الإنجازات الهائلة التي حققها هو أهم خطوة في طريق التوطين الصحيح.