اثنتان وخمسون ثانية

بينما أنا في طريقي إلى المنزل ليلاً برفقة ابني الصغير عبدالله "وهو بالمناسبة في السادسة من عمره" إذ به يبدأ نوبة من البكاء زاعماً أنه جائع ولا يستطيع الانتظار حتى نصل المنزل، ملمحاً إلى رغبته في التوقف عند أحد مطاعم الوجبات السريعة التي تقع في طريق المنزل. استجبت لرغبته نظراً لتأخر الوقت ورغبتي في إيجاد حل سريع للسيطرة على بكائه، وبدخولي المعطم فوجئت أن ابني لم يُعر انتباهاً للوجبة التي أخترتها له لتسكت جوعه، فقد كان منشغلاً بالحديث إلى موظف الخدمة ملحاً له بالحصول على لعبة كالتي حصل عليها صديقه عند شرائه وجبة من المطعم ذاته، ففهمت بالطبع أن الأمر لا علاقة له بالجوع، وأني كنت ضحية حيلة منه للحصول على اللعبة التي تأتي هدية مع وجبة طعام الأطفال!!

قصة أعتقد أنها تكررت وتتكرر مع الكثيرين منا، حيث يقع أطفالنا فريسة لوسائل الإعلان التي تُروج لمنتجات خاصة بالأطفال عبر استخدام تقنيات حديثة وأساليب ترويجية من شأنها التأثير في عقول الأطفال وضمان استجابتهم للمادة الإعلانية، وبالتالي استخدام وسائلهم الخاصة للضغط على الأهل لشراء السلع والمنتجات التي شاهدونها في الإعلان، ليصبح المعلن هو الفائز الأكبر.

وفي دراسة قامت بها مؤسسة "كيسر للعائلة" في الولايات المتحدة عن الإعلانات التجارية الموجهة للأطفال دون 12 سنة، وجدت الدراسة أن القنوات التلفزيونية الأربع الكبرى في الولايات المتحدة تُخصص ما يقارب 52 ثانية لكل ساعة لعرض إعلانات تجارية موجهة للأطفال، بينما تخصص 58 ثانية لكل ساعة لعرض إعلانات تجارية تستهدف البالغين، ومن الغريب أيضا أن 40 ثانية من الـ52 ثانية الموجهة للأطفال هي إعلانات متعلقة بالوجبات الغذائية السريعة والمشروبات الغازية والحلويات، ولعل الوجبات الغذائية السريعة تعد من أبرز أسباب السمنة لدى الأطفال، ولا سيما مع دعم الإعلانات التجارية لها وما تقدمه من هدايا ترويجية تكون أحيانا على شكل شخصيات كرتونية يحبها الأطفال.

ولعل تأثيرها يتضح أكثر إذا علمنا أن الإنسان يبدأ بتطوير نمطه الغذائي في المراحل العمرية الأولى وحتى سن الثامنة، وفي هذه السن من الصعوبة على الأطفال معرفة أن هذه الإعلانات لا تعدو كونها مبالغات، وفخ لإيقاعهم فيه ودفعهم لشراء المنتج.

ولمعرفة أهمية هذا السوق فإن البروفيسور "باري غانتر" في كتابه "الإعلان التلفزيوني للأطفال المواد والتأثير والتشريعات" يؤكد أن القدرة الشرائية للأطفال الأقل من 12 سنة في عام 2008 في الولايات المتحدة فقط بلغت 28 مليار دولار، هي بالطبع عبارة عن المبالغ التي يحصلون عليها كمصروف من أولياء أمورهم، أما ما ينفقه الآباء والأمهات على المنتجات والخدمات المتعلقة بالأطفال والتي يكون في الغالب للأطفال تأثير مباشر أو غير مباشر في قرار شرائها، فتبلغ قرابة 250 مليار دولار.

بعض الآراء ذهبت إلى ضرورة أن يتحمل قطاع الدعاية والإعلان مسؤوليته بوضع تنظيم ذاتي أو مدونة سلوكية وأخلاقية للإعلانات الموجهة للأطفال، ويعترف أصحاب هذا الرأي بأن للشركات والأفراد الحق في استخدام جميع الوسائل للتعريف بمنتجاتهم وبأن حرية تدفق المعلومات التجارية أمر مهم للاقتصاد ليتمكن المستهلك من القيام باختيارات صحيحة مبنية على معلومات وافية.

وقد قام قطاع الدعاية والإعلان الأوروبي بعمل مدونة أخلاقية غير ملزمة تضع قواعد إرشادية لأفضل الممارسات. ويمتاز التنظيم الذاتي بأنه يعبر عن قطاعات واسعة من المجتمع والتي شاركت في وضع المدونة الأخلاقية وهي قابلة للتعديل و تقلل من حاجة المستهلك إلى اللجوء للجهات القضائية، ما يساعد على ترشيد النفقات القضائية ويعتبر بلا شك نواة جيدة وأساسية لتشريع مستقبلي جيد، ولا يمكن أن ننسى أن هذه الطريقة هي أكثر فعالية في الفضاء الإلكتروني أو الأنترنت.

وفي مقابل هذا الرأي عرضت فئة أخرى رأيا مغايرا، حيث ترى ضرورة وضع قواعد قانونية ملزمة، فالتنظيم الذاتي ومدونة السلوك لا يمكنها أن تُغني عن التشريعات الملزمة ، ما يعطي للعامة قدرا أكبر من الطمأنينة بأن هناك جهات تراقب الالتزام بالقانون، ومن الأمثلة على هذا الاتجاه ولاية "كيبك" في كندا التي أصدرت تشريعا عام 1980 يمنع عرض أية إعلانات لوجبات سريعة للأطفال من الساعة 7 مساء إلى 10 ليلا، كما يمنع الإعلان عن الألعاب الترويجية المجانية مع الوجبات.

وقد أكدت دراسة حديثة لجامعة بريتش كولومبيا أن القانون استطاع بنجاح تخفيض عدد الوجبات السريعة التي تستهلك من قبل الجمهور بما يقارب 22 مليون وجبة سنوياً؛ أي ما يعادل 13%. وقد اتبعت هذا النهج في الوقت القريب كل من بريطانيا والنرويج وولاية تكساس الأميركية.

وعليه فإن القطاع الخاص في دولة الإمارات يجب أن يبدأ باتخاذ خطوات ملموسة ووضع قواعد أو مسودة سلوك مهني، ما قد يغني عن تدخل تشريعي في هذا الخصوص.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات