هناك كارثة في الطريق يحذرنا من وقوعها العلماء المختصون بالشأن البيئي، وهي التغيرات المناخية التي يرون أن من المتوقع حدوثها بسبب ارتفاع درجة حرارة الأرض الذي يتسبب في ذوبان كتل كبيرة جدا من الجليد في القطب الجنوبي وجزيرة غرينلاند.

مما يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر وإغراق مساحات واسعة من اليابسة، ربما تنسحب على مدن أو ربما دول عديدة، وقد لا تقتصر تأثيراتها على ذلك فحسب. آخر المؤتمرات التي تعقد للتباحث في هذا الشأن، كان في السادس والعشرين من نوفمبر المنصرم في العاصمة القطرية الدوحة، بمشاركة 200 دولة.

حرق الوقود الأحفوري، النفط والفحم والغاز، لإنتاج الطاقة الكهربائية، هو أحد أبرز الأسباب وراء الكارثة المتوقعة، وذلك لأن غاز ثاني أوكسيد الكربون المنبعث في عمليات الحرق، هو الأكثر أهمية ومسؤولية في ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض. المطلوب هو الحد من انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى الهواء من ناحية، والعمل على التقليص من تركيزه الحالي من ناحية أخرى، وذلك عن طريق اعتماد سياسات تهدف لزيادة نسبة استخدام الطاقة الصديقة للبيئة.

والحقيقة أنه لم يحصل تقدم يذكر في هذا المجال، فحصاد عقدين من الزمن منذ قمة الأرض التي عقدت في ريو عام 1993 وحتى يومنا الحاضر، لا يدعو للتفاؤل. فالجهد العلمي والإعلامي الذي وظف في هذا المجال، لم يقابله ما يوازيه على أرض الواقع، فالمسافة بين الاثنين كبيرة وصعبة التقليص. لذلك بالطبع ما يبرره .

ويستوجب التوقف عنده، فليس جميع ما يصدر من توصيات في اللقاءات الدولية هو من الناحية الواقعية قابل للتنفيذ، فالالتزام بهذه الاتفاقيات صعب جدا، وفي حالة الأخذ بها أو ببعضها فهو يختلف من دولة لأخرى، فالدول الغنية والمتقدمة تكنولوجيا، أكثر قدرة من غيرها على تلبية توصيات هذه المؤتمرات.

وقد يكون بعض حكومات هذه الدول ملزما بتنفيذ بعضها تحت ضغوط الحركات القوية والنشطة للحفاظ على البيئة في هذه البلدان، على عكس الدول الفقيرة التي لا تتمكن، بسبب شحة مواردها وافتقار مؤسساتها إلى الخبرات وعدم توافر منظمات غير حكومية للدفاع عن البيئة، من اعتماد المعايير التي تعتمدها الدول الغنية.

الأرقام عن حجم الإنتاج العالمي سنويا لمصادر الطاقة هذه، تزيح الستار عن حقيقة أن الطلب عليها في تزايد مستمر وحرقها في تزايد مستمر أيضا، وتبعا لذلك ليس من المتوقع أن يتناقص تركيز الغازات الدفيئة المنبعثة عنها في الهواء، بل عكس ذلك هو المتوقع، فعدد سكان الأرض في ازدياد (معدل النمو السكاني السنوي عالميا يبلغ قرابة 1.5٪)، كما أن معدل ما يستهلكه الفرد الواحد من الطاقة في ازدياد أيضا.

مقابل ذلك تتراجع قدرات الطبيعة الذاتية على مواجهة ذلك، بسبب تقلص المساحات الخضراء واتساع مساحات التصحر. كما أن الطاقة البديلة، الصديقة للبيئة، التي يكثر الحديث عنها في هذه المؤتمرات، لا تنمو بالحجم الذي تنمو به الحاجة للمزيد من مصادر الطاقة، هذا إضافة إلى أن استخدامها لا يزال محدودا، وبالذات في الدول المتقدمة تكنولوجيا.

الفحم هو الوقود الأكثر خطورة على البيئة في العائلة الأحفورية، وقد صادق معظم دول العالم (183 دولة) على اتفاقية كيوتو التي اعتمدت سنة 1997 ودخلت حيز التنفيذ سنة 2005، والتي تلزم بالتوقف عن استخدام الفحم لإنتاج الطاقة الكهربائية بحلول عام 2009. ولكن ما هو حصاد ذلك؟ الطلب العالمي على استيراد الفحم في ازدياد.

فوفق توقعات رابطة الفحم العالمية، فإن إنتاج الفحم في العالم سيزداد من 4 مليارات طن في الوقت الراهن، إلى 7 مليارات طن بحلول عام 2030، فالفحم لا يزال المصدر الأول في إنتاج الطاقة الكهربائية في العالم. ووفق التقرير الصادر عن وكالة الطاقة العالمية عام 2010، فإن محطات توليد الطاقة الكهربائية باستخدام الفحم، تزود العالم بما يساوي 42٪ من الطاقة الكهربائية الكلية، في حين لا تزيد حصة النفط عن 5٪ وحصة الغاز عن 21٪ وحصة الطاقة النووية 13٪ وحصة الهيدرو (مساقط المياه) 16٪، أما الـ3٪ المتبقية فهي حصة مصادر الطاقة المتجددة.

معظم دول العالم تستخدم الفحم بنسب متفاوتة، وبوتسوانا هي الدولة الأولى في العالم في استخدامه لإنتاج الطاقة الكهربائية، إذ تبلغ نسبة ما ينتج منها عن طريق حرقه 100٪، في حين تبلغ هذه النسبة في جنوب إفريقيا 93٪ وفي بولندا 88٪ وفي الصين 79٪ وفي الهند 68٪ وفي الولايات المتحدة 45٪.

إن استمرار بعض الدول في استخدام الفحم في محطات الطاقة الكهربائية، لا يرجع إلى انتهاجها استراتيجية تعتمد رؤية قصيرة النظر، فالفحم هو الوقود الأكثر توافرا في العالم، وما يتوافر من خزينه المعروف 860 مليار طن، حسب ما صدر عن رابطة الفحم العالمية، تكفي لتجهيز العالم كله بالطاقة لما يزيد على قرن من الزمن وفق معدلات الاستهلاك الحالية، هذا إضافة إلى أن سعره هو الأقل بين مصادر الوقود الأخرى. وغني عن البيان ما لهذه الخصائص من جاذبية لا تستطيع الدول، غنية كانت أم فقيرة، أن تغض الطرف عنها في رسم استراتيجياتها.

من جانب آخر، فإن الدول الطموحة لتعزيز نفوذها الدولي وتوسيع مساحة حصتها في سوق التجارة العالمية، قد لا تجد مناصا من جعل البيئة إحدى ضحايا برامجها، في أطر علاقات دولية لا يترتب عليها تحمل خسائر في حالة عدم التزامها بتوصيات كيوتو. فالصين، الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة في استهلاك مصادر الطاقة، هي الدولة الأولى في استخدام الفحم لإنتاج الطاقة الكهربائية، فهي المنتج الأول له حيث تبلغ حصتها من مجمل الإنتاج العالمي 40٪.

المختص يقوم من ناحيته بالتنبيه حول المخاطر المحتملة التي تنتظر البشرية، ولكن القرار يبقى في يد السياسي، وتتحكم في اتخاذه اعتبارات كثيرة قد لا يكون أبرزها ما يذهب إليه المختص.