نعيش هذه الأيام فرحة وطن، وعندما يكون الوطن هو المناسبة والعنوان تنفتح للفرح ألف طاقة، أما حين يكون هذا الوطن هو الإمارات فيصبح للفرح طعم مختلف، لأن الإمارات أكثر من مجرد وطن.
الإمارات قصيدة أبياتها بالحب ترتوي، والإمارات رواية فصولها لا تنتهي، والإمارات ملحمة يتماهى أبطالها في حبهم لبطلتها ويتنافسون لنيل رضاها.
وعندما يحتفل أبناء الإمارات بذكرى توحد إماراتهم وانصهارها في كيان واحد، أكمل حتى الآن أربعة عقود وبدأ عقده الخامس، فإنما يؤكدون أن هذا الكيان قد ولد ليبقى، وأنه بقي ليستمر، وأنه استمر ليثبت للجميع أن المستحيل ممكن، وأن الممكن تصنعه الإرادة القوية والعزيمة الصادقة، وليس مجرد الأمنيات فقط.
صحيح أن الاتحاد كان أمنية وحلماً راود عقول وقلوب أبناء الإمارات، لكن هذا الاتحاد لم يبق في دائرة الأمنيات والأحلام طويلاً، لأن أولئك الذين حلموا بالاتحاد كانوا رجالاً يعرفون كيف يحولون الأمنيات والأحلام إلى حقائق على أرض الواقع.
لذلك كانت الفترة منذ توقيع المغفور لهما بإذن الله تعالى؛ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، لاتفاق الوحدة بين كل من إمارتي أبوظبي ودبي، في الثامن عشر من فبراير عام 1968م، وحتى قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971م، كانت هذه الفترة قصيرة وحافلة بالعمل، إذا وضعنا في الاعتبار أن الجهود خلالها كانت منصبة على إنشاء اتحاد تساعي يشمل كلاً من قطر والبحرين، لولا أن هذه الجهود لم تنجح، فأعلنت كل من قطر والبحرين استقلالهما منفردتين، وشاءت إرادة الله لهذا الاتحاد أن يتكون أولاً من ست إمارات، لحقت بها إمارة رأس الخيمة في العاشر من فبراير عام 1972م، لتبدأ دولة الإمارات العربية المتحدة انطلاقتها نحو المجد والشموخ، وتسطر في سجل الإنجازات ما لا يحيط به حصر أو تسجيل، ولا يقف أمامه صعب أو مستحيل.
لا نقول هذا لأن الإمارات وطننا الذي نعتز به فقط، وإنما لأنه حقيقة وواقع شهد به القاصي والداني، وأصبحت الإمارات مضرب المثل والقدوة بين كل البلدان، من مشرق الشمس إلى مغربها. فما هي هذه الخلطة السحرية التي جعلت الإمارات تتخطى الكثير من الدول التي سبقتها استقلالاً وتكويناً وتعليماً وثروة، وكل ما يمكن أن نعتبره مقوماً من مقومات النهضة التي تسعى كل الدول والشعوب إلى تحقيقها؟
سؤال يبدو منطقياً ونحن نعيش هذه الأيام فرحة الوطن التي لا تعادلها فرحة، لأن الإجابة تفتح لنا أبواباً وتسد أبواباً، فما شاهدناه على مدى الأيام الماضية، وما نعيشه من مظاهر الفرح التي تعم أنحاء الإمارات، وسط هذه الأحوال المضطربة التي تسود بلداناً شقيقة سبقتنا إلى الاستقلال والتكوين والثروة والتعليم والنهضة والتقدم، يجعلنا نستشعر الفرق بين بلد يحتفل أبناؤه بأربعة عقود زاخرة بالإنجازات والعمل، وبلدان تحاول التخلص من تركة عقود أعادتها سنوات إلى الوراء، وقادتها إلى كبوات ونكبات في كل مناحي الحياة.
لا نقول هذا من باب الشماتة أو التشفي، فالكل يعرف أن الإمارات وأهلها أبعد ما يكونون عن هذا الخُلق الذميم، والكل يعرف ما قدمته الإمارات لأشقائها وأصدقائها من دعم ومساعدة دون منٍّ أو أذى، منذ عهد الآباء المؤسسين، وحتى عهد الأبناء المخلصين السائرين على خطى آبائهم الأوفياء لذكراهم، لكننا نقوله من باب عقد المقارنات، والمقارنات في مثل هذه الأحوال تظهر الفرق وتجلي الحق، وترد على كل الأصوات الناعقة التي تحاول أن تصطاد في المياه العكرة، وتلك التي تحاول أن تعكر المياه الصافية، وتنتهز الفرص لتنتقص من إنجاز الوطن.
إن من يدقق النظر في تصريحات قادة الإمارات في هذه المناسبة الغالية، وتوجهات حكومة الإمارات التي عقدت اجتماعها يوم الثلاثاء الماضي في "دار الاتحاد"، حيث "كانت البداية، ومنها نجدد الانطلاق" كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يدرك أن سر نجاح هذه المسيرة المباركة يكمن في هذه الطاقة الإيجابية الخلاقة، التي تعمل بها حكومة الإمارات وتبثها في شعبها، حيث يؤكد سموه أنه "لا مكان للتقاعس أو التردد في تحقيق طموحات شعبنا"، ويشير إلى أننا "نستلهم من دار الاتحاد روح العزيمة والطموح والإصرار على قهر التحديات"، ويعيد التأكيد على أن صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "يضع المواطن أولاً وثانياً وثالثاً"، وأن "الحكومة تستلهم في عملها نهج الآباء المؤسسين"..
هذا النهج الذي يهتم ببناء الإنسان، ويركز على الشباب باعتبارهم بناة المستقبل، وهو ما عناه سموه حين قال: "سندعم الشباب الإماراتي، والمنتجات الإماراتية، والثقافة الإماراتية، لأن الإمارات هي فخرنا، وأبناؤها هم مصدر عزنا"، وأصدر قراراً بتخصيص 10% من مشتريات الجهات الاتحادية لدعم مشاريع الشباب.
رسائل كثيرة بثتها قيادة الإمارات، وتجاوب معها أبناء الإمارت، تحمل كل واحدة منها قيمة من القيم التي قامت عليها هذه الدولة التي تنطلق إلى المستقبل بخطى واثقة، وتؤسس كل منها لقاعدة من قواعد هذا الانطلاق.
لهذا نحن مطمئنون في يوم الوطن على الإمارات التي تزهو بقيادتها الحكيمة الواعية، الحريصة على أمن الوطن وسلامته وتأمين مستقبله، وتفخر بأبنائها المخلصين الذين يعيشون بكل مشاعرهم فرحة وطنهم، مستلهمين "روح الاتحاد" التي تصل بين الماضي والحاضر، وتنتقل بهم ومعهم نحو المستقبل.