«الفضيحة» هي انتشار إعلامي واسع لتهمة خطيرة، الغرض منها النيل من شخص أو عائلة أو حزب أو حركة سياسية أو مؤسسة أو شركة.
وغالباً ما ترتبط الفضيحة بقضايا تتعلق بالرشوة أو الاختلاس أو التزوير أو استغلال المنصب، أو التجسس أو التهرب من دفع الضرائب أو التجارة بالممنوعات، أو التورط في علاقات جنسية غير مشروعة، أو في كل ما يتسبب في مشاعر الإحباط والخيبة في أوساط المجتمع.
وقد ورد مصطلح «الفضيحة» في عدد من الكتب المقدسة، لوصف العمل أو السلوك الذي يصنف تحت باب «الخطيئة». ولم يخلُ عصر من الفضائح في جميع دول العالم، وعلى مستويات مختلفة، إلا أن معالجتها ومعالجة تداعياتها تختلف من بلد لآخر، حسب نظامه السياسي، وحسب التقاليد والأعراف السائدة.
فقد قدمت الديمقراطية في البلدان التي انتهجتها كخيار لبناء الدولة، أكثر من دليل على مدى نجاعتها في حفظ الصالح العام، حين تُمارس وتُستخدم آلياتها بتفهم وقناعة ونزاهة على مختلف المستويات، تحت رقابة الجميع، أفراداً ومؤسسات.
ولسنا بصدد تعداد ما أفرزته مؤسسات الدول الديمقراطية من خدمات، حين أسهمت في الكشف عن الفضائح، وأجبرت الضالعين فيها على التخلي عن مواقعهم، أو أحالتهم للقضاء، أو أغلقت الطرق أمام أية محاولة للتستر عليهم، ما ضمن الصالح العام وسلامة الدولة وأجهزتها.
ففي الدول الديمقراطية، تطيح الفضائح برؤوس عديدة، صغيرة كانت أم كبيرة، ولا يسلم أحد من دفع ثمن ما اقترفه، ولا تزال استقالة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في منتصف السبعينيات من القرن المنصرم، غير بعيدة عن الذاكرة، إثر فضيحة التجسس على مقر الحزب الديمقراطي، في ما عرف بمسمى «ووترغيت»، ولا تزال الفضيحة الجنسية للرئيس بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي، والتي أوشكت على الإطاحة به، طرية في الأذهان.
وقد تزامنت مؤخراً فضيحتان مدويتان؛ الأولى في الولايات المتحدة الأميركية والثانية في العراق. الأولى فضيحة علاقات جنسية تورط فيها مدير وكالة المخاربرات الأميركية، الجنرال ديفيد بترايوس، ذو السجل العسكري المتميز بين القادة الأميركان، في حين لا أحد يعرف من هو المتورط في الفضيحة الثانية، التي تتعلق بالرشى لتمرير صفقة أسلحة بين العراق وروسيا، وهي صفقة كبيرة تجاوزت قيمتها الأربعة مليارات دولار.
الفضيحة التي نتحدث عنها لم تأتِ من فراغ، ولم تثرها جهات مولعة بخلق وبث الإشاعات والأقاويل المعادية للعراق، بل إن من أماط اللثام عنها هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتن نفسه، الذي قام من جانبه بطرد وزير دفاعه، وعدد من كبار الضباط ذوي العلاقة بالصفقة المشبوهة. وفي هذا الصدد، تثار تساؤلات حول ما إذا كانت الصفقة التي عقدت مع جمهورية التشيك بمبلغ يزيد على مليار دولار، والتي قام الوفد العراقي المفاوض نفسه بإنضاجها، لم تخلُ هي الأخرى من شبهات.
من جانب آخر، يثير الموقف الرسمي العراقي الحيرة، فلم تكلف الحكومة نفسها بإصدار بيان يوضح ذلك، وقد تضاربت التصريحات التي أدلى بها بعض أعضاء الوفد المفاوض الذي أنضج الصفقة، بين من يدعي إلغاءها، أو ينفي التوقيع عليها أصلاً، أو يدعي أن المفاوضات بشأنها لا تزال قائمة، وبين من يحرص على تبرئة نفسه، بعد أن بدأت بعض وسائل الإعلام تلوك اسمه.
تضاربت الآراء حول مبلغ الرشوة في صفقة الأسلحة هذه، وقد قدرت بما يبلغ 10 % من قيمتها، وليس معروفاً من هو المنتفع فيها، أبعض أعضاء الوفد الفني العسكري الذي قضى بضعة أسابيع في موسكو لأجل ذلك؟ أم آخرون ممن هم في مواقع المسؤولية والقريبون من مركز صناعة القرار، والذين حرص بعضهم على الحضور إلى العاصمة الروسية خلال المفاوضات التي أنضجت الصفقة؟!
الموقف الرسمي العراقي يعكس تخبطاً يثير الرثاء، وقد أصبح موضع دهشة بالغة لدى الحكومة الروسية، التي أكدت من جانبها أن الصفقة قد اكتسبت الصفة القانونية، عندما تم التوقيع عليها في التاسع من أكتوبر المنصرم، بحضور رئيسي وزراء البلدين ميدفيديف والمالكي، وأن هناك تبعات مالية وقانونية وتداعيات سياسية على مستقبل العلاقات المستقبلية بين العراق وروسيا، في حالة قيام العراق بإلغاء الصفقة.
ولسنا هنا بصدد الخوض في التفاصيل التي تتعلق بالجانب السياسي والعسكري لهذه الصفقة، وتأثيرها في العلاقات مع الولايات المتحدة، وموقف القيادات الكردية منها، ولكن سنكتفي بالإشارة إلى الفارق في المعالجة بين الفضيحتين. الأولى لم تلحق ضرراً بالصالح العام، إذ لم تترتب عليها خسارة للولايات المتحدة من المال العام، ولم يترتب عليها كذلك تسرب معلومات ذات أهمية تتعلق بالأمن القومي الأميركي.
فقد استقال بترايوس من منصبه، وتحمل هو ومن أقام العلاقات غير المشروعة معها، تبعات هذه الفضيحة. أما ما يتعلق بالفضيحة الثانية، فإن التعتيم الإعلامي لا يسمح لنا بالتعرف إلى مدى الخسائر التي لحقت بالعراق من جراء سلوك بضعة مفسدين يحتمون بدرع الحكومة القائمة.
وبالقدر الذي تتعزز فيه هيبة الدولة، وتترسخ قيم الديمقراطية فيها، مع كل فضيحة تنشر، وتتخذ الإجراءات إزاءها في الدول الديمقراطية، يحدث عكس ذلك في الدول غير الديمقراطية، حيث تمر الفضيحة بسلام، ويتمتع السارق والمرتشي بما حصل عليه، وتتزايد تبعاً لذلك هزالة الدولة، وتضعف هيبتها. ولعلنا في هذا السياق نتساءل عما إذا كان البلد الذي يلملم الفضائح، ولا يعير أهمية لضياع المال العام، هو حقاً بلد ديمقراطي؟
العراق، ومنذ عام 2003، دخلت حكوماته المتعاقبة في مفاوضات عديدة لتوقيع عقود بمبالغ كبيرة، تتعلق بمواد البطاقة التموينية، والمعدات العسكرية، ومحطات توليد الطاقة الكهربائية.
وتصدير النفط، وبناء المدارس، والحصول على أجهزة الكشف عن المتفجرات.. وغير ذلك الكثير. ولم يعد خافياً على أحد، أن السرقة والرشوة كانتا حاضرتين في بعض تلك الصفقات أو في جميعها، إلا أنها لم تتسبب في فتح تحقيق جدي وإطلاع الرأي العام على نتائجه. فهل ستمر الفضيحة الأخيرة كسابقاتها بسلام، ويستمر مسلسل الفساد في تدمير العراق؟
ردود أفعال المنظمات الرقابية لم ترق إلى مستوى خطورة مسلسل الفضائح المالية، إذ لم تقم وسائل الإعلام العراقية بما يكفي من جهد للحصول على المعلومات حول حقيقة ما يجري، لإطلاع الرأي العام.