تبنّى مجلس الأمن الدولي بالإجماع في الشهر الماضي، قرارا قدّمته فرنسا ودعا المنظمات الإقليمية ـ أي المجموعة الاقتصادية لدول غربي إفريقيا والاتحاد الإفريقي ـ لتقديم خطة تدخّل عسكري خلال 45 يوما، بهدف استعادة شمالي مالي عسكريا، مع ترقّب البدء بمفاوضات بين الحكومة المالية والمتمرّدين. مثّل ذلك القرار مرحلة وسيطة، قبل أن يتخذ مجلس الأمن الدولي قرارا ثانيا يوافق فيه على عملية عسكرية بطلب من مالي، ثمّ نشر قوّة عسكرية كبيرة، مما سيتطلّب بالتأكيد عدّة أشهر.

كانت فرنسا قد بذلت جهودا كبيرة للوصول إلى ذلك تحت إشراف الشرعية الدولية، ولم تتوقف مع ذلك عن تكرار القول إنها لن تشارك مباشرة في عملية عسكرية، ورددت أنه على الدول الإفريقية تنظيم مثل هذه العملية. والجزائر التي قد تكون هي العنصر الحاسم في الوصول إلى حل، كانت قد رفضت حتى فكرة التدخّل العسكري، مؤكّدة على تفضيل السبيل السياسي.

وبتاريخ 11 نوفمبر الحالي اجتمعت 20 دولة إفريقية في العاصمة النيجيرية، وأيّدت إرسال قوّة إفريقية من أجل استعادة شمالي مالي. وهكذا ينبغي تشكيل قوّة من 3300 جندي، وهناك خطة استراتيجية في طور الإعداد، قبل تحويلها للاتحاد الإفريقي ثم للأمم المتحدة.

هكذا هناك، إذن، وضع لا يبدو فيه أي حل جيّد. فمن جهة هناك شرعية للتحرّك، فالوضع على الأرض يستدعي تدخّلا عاجلا. أوّلا، بسبب العنف الذي تمارسه الجماعات المتطرّفة في شمالي مالي، والتي يبدو أنها تعزز من قوتها على صعيد تجنيد العناصر والترسانة العسكرية والأعمال الإرهابية. وثانيا، لكون سكان الشمال يعانون من التجاوزات اليومية، وهناك 200 ألف مهجّر أو لاجئ. وثالثا، كون مخاطر هزّ الاستقرار تهدد جميع منطقة الساحل، وهو ما ستكون له آثاره في إفريقيا جنوبي الصحراء وفي أوروبا.

من المؤكّد أن هناك تحالفات بين مجموعة قوى سياسية في المنطقة، من أجل السيطرة على مختلف أنواع التجارة الممنوعة. لكن تلك المجموعات تتباين أهدافها، وبينها خلافات سياسية ومنافسات ينبغي أخذها بعين الاعتبار، بل وحتى استغلالها من أجل زيادة حالة الانقسام بينها وإضعافها.

وإذا كان مبدأ القيام بتدخل عسكري يتأكّد، فإن هناك أربعة أبعاد ينبغي التنبّه لها في الوقت نفسه، من أجل الوصول إلى تسوية إيجابية حقيقية للوضع.

هناك أوّلا البعد العسكري، والذي يفترض إعادة بناء الجيش المالي بعد هزيمة عسكرية أمام المتمرّدين في الشمال. كما يفترض نشر قوات إفريقية؛ وتأمين الدعم اللوجستي بواسطة أجهزة الاستخبارات والقوات الخاصّة، من قبل فرنسا والجزائر وربما الولايات المتحدة. وينبغي أن يكون التدخل دقيقا جدا في مواجهة ميليشيات تتمتع بقدرة حركة كبيرة. وفي ما هو أبعد من استعادة مدن غاو وكيدال وتيمبكتو، ستتم مواجهة المسألة الصعبة المتعلّقة بالسيطرة على مساحة صحراوية شاسعة.

والبعد الدبلوماسي يتطلّب بالضرورة طمأنة مختلف البلدان المعنية، بأن التدخل العسكري سيتم على أساس الإطار الدقيق الذي يحدده قرار الأمم المتحدة، مع احترام المجموعة الدولية له. وفي هذا الإطار ينبغي على فرنسا بذل جهد كبير لشرح ذلك، وتقديم ضمانات ملموسة للجزائر كي تضع حدا لترددها وتقبل تحمّل مسؤولياتها في تثبيت الاستقرار في المنطقة.

أمّا البعد السياسي فيستدعي أن تتوقف الخلافات بين مختلف مكونات النظام في مالي، ويتحد الجميع من أجل إنقاذ البلاد. وإذا كان استقلال منطقة "أزواد" لا يكتسي أيّة شرعية من وجهة نظر القانون الدولي، فإن على القادة الماليين التأمّل في مسألة إعطاء قدر أكبر من الاستقلال الذاتي لمنطقة الطوارق في شمالي مالي، وربما تصوّر "فدرالي".

أخيرا، لا يزال البعد الاقتصادي غائبا عن مختلف المشاريع الجارية. والأسباب العميقة للأزمة في مالي تُحيل، كما في مختلف بلدان المنطقة، إلى تضافر الزيادة السكانية الهائلة، ووجود جيل من الشباب بدون مستقبل، وازدهار التجارة الممنوعة، وأزمات البيئة والصحّة. من هنا تكتسي المساعدة من أجل التنمية أهمية جوهرية، وبالتالي على الدول الأكثر ثراء أن تعبئ جهودها دون تأخير لمساعدة مالي وجيرانها.

عبر "تمفصل" هذه الأبعاد الأربعة، يمكن تجنّب إطالة النزاع أو توسعه إلى مناطق جغرافية قريبة أخرى.. والرهان هو مستقبل المنطقة.