قبيل العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، كانت دوائر الهجرة والاستيعاب الصهيونية، تستشعر القلق الشديد من الضمور النسبي لأعداد اليهود الراغبين في الاستجابة لنداء "العودة إلى أرض الميعاد"، مقابل الزيادة النسبية لمعدلات المغادرين منها إلى أوطانهم الأم، أو إلى أية عوالم أخرى تمنحهم فرصا أفضل، اقتصاديا بصفة عامة وأمنيا بالذات. ومن المرجح أن تفضي المقاومة النوعية لهذا العدوان، إلى تعميق هذا القلق.

فهذه الدوائر؛ المنوط بها صيانة المدد البشري اليهودي إلى إسرائيل وديمومة التفوق السكاني في مواجهة العرب داخل فلسطين التاريخية، عادة ما تعمل وهي مهجوسة بإقناع اليهود، أينما وجدوا، بأن مشروعها الاستيطاني هو ملاذهم الأخير لحياة هانئة، تبعد عنهم غوائل موجات "اللاسامية وعداء الأغيار (الغوييم)" وتضمن لهم الأمن المطلق.

ومن خلال التأمل في السوابق ومتابعة الخطوط البيانية لنسب القادمين والمغادرين، تمكنت هذه الدوائر من معرفة المحدد الأساسي لحركة القدوم والمغادرة، وهو مدى الإحساس بالأمن وقدرة الدولة على تقييد حركة الرفض العربي الإقليمي متعدد التعبيرات عموما، وشل فعالية مقاومة المجتمع الفلسطيني الأصيل بصفة خاصة واستثنائية.

 أيقنت الحركة الصهيونية هذه الحقيقة حين لاحظت أن أكبر موجات الهجرة إليها استتبعت انتصاراتها في جولتي 1948 و1967 إقليميا، وكذا غداة انتصار المعسكر الرأسمالي الغربي الظهير، وسقوط المعسكر الاشتراكي المشاكس لها قبل عقدين عالميا.

لا يعد هذا الفهم اكتشافا إبداعيا من جانب العقل الاستراتيجي الصهيوني.. كل المعنيين بمفهوم الأمن الإسرائيلي، على دراية بالصلة الخطية الوثيقة بين الإصرار على تحقيق هذا المفهوم بنسبة مئة في المئة، وبين مسار الهجرة اليهودية إلى إسرائيل أو الرحيل منها. ويعلم هؤلاء أيضا أن النيل من هذا الأمن، ولا سيما على الصعيد العسكري، ينعكس فورا على هذه الصلة بالسلب.

تمثل هذه التعميمات مرجعية مهمة لمن أراد استشراف ما يدور راهنا في مسامرات القطاعات اليهودية، داخل إسرائيل وخارجها، في ظل الرسائل التي بثتها المقاومة الفلسطينية الساخنة للعدوان الأخير على غزة، إذ ليس هينا على هذه القطاعات أن تلمس بالمحسوس وتعاين أن إسرائيل ما عادت، ولعلها لن تعود بالمطلق، الملاذ الآمن الذي طالما صورته الحركة الصهيونية لهم.

وأغلب الظن أن مثل هذه المسامرات والأحاديث المتداولة يهوديا، ستؤدي، بين أشياء أخرى، إلى إعادة الجدل القديم حول جدوى الحياة في ظل كيان يقام بالقوة على أرض يمتلكها شعب آخر.. شعب لم يفلح الطرق على رأسه لأكثر من مئة عام، في إفنائه أو حتى في تركيعه وإجباره على الاستسلام.

فضل حرب الأيام الثمانية على غزة في إشعال هذا الجدل، بشكل أكثر إلحاحية واستثنائية قياسا بكل جولات الصراع الصهيوني العربي، أنها المرة الأولى التي يؤتى فيها الداخل الإسرائيلي من الداخل الفلسطيني المحتل، بمثل القوة النيرانية التي سمعناها ورأيناها.. القوة التي أكرهت سواد الإسرائيليين على التحسب والتزام الملاجئ حذرا وخوفاً.

وعندما يوسع الإسرائيليون مساحة النظر والتدبر في غزواتهم العسكرية السابقة، آخذين عِبَر هذه الجولة في حساباتهم، فسوف يهديهم ذلك إلى السؤال عن مصير أمنهم، فرادى ومجتمعين، في حال تلاقى على مواجهتهم مقاومون من جهتي الشمال والجنوب والوسط في موقعة واحدة.

ونتحدث في هذا الفرض عن قوى المقاومة ذات البعد الشعبوي، كحزب الله وحركات حماس وفتح والجهاد ونحوها، بمعزل حسابي مؤقت عن الجيوش الرسمية..

أيضا، نحسب أن وصول فعل الرماية من المقاومين الغزيين إلى مشارف منطقة القلب من إسرائيل، حيث تل أبيب والقدس، لن يمر دون أن يترك علامات فارقة على خريطة الدفاعات الاستراتيجية عن سكان هذه الدولة، إذ لن يعود تعبير الجبهة الجنوبية، مثلا، قاصرا على الإشارة إلى الجبهة المصرية.

في إطار هذه المستجدات ونحوها، سينبري الاستراتيجيون الإسرائيليون إلى تحري سبل الوقاية العسكرية، وإجراء تعديلات على سياقات العمل العسكري، وسيعد هؤلاء قومهم بتعزيز الصلابة الأمنية للدولة.

غير أن وعودا كهذه ربما لن تساهم كثيرا في مواساة الجروح التي خلفتها غزوة غزة ونتائجها المحيرة، التي أثارت أسئلة وشجونا شديدة التعقيد والصعوبة بين مستوطني هذه الدولة، وهي التي أريد بها ومنها الإجابة عن أسئلة وشجون سهلة، كتلك التي تتعلق بالمناكفات الانتخابية واستدراج أصوات الناخبين اليهود ببرامج الساسة المتطرفين.

وفي تقديرنا أن وعود النخب الصهيونية، السياسية منها والعسكرية، لن تشفي غلة القطاعات اليهودية الباحثة، داخل إسرائيل وخارجها، عن صحة المشروع الصهيوني برمته في أداء الأمن الذي يزعمه لهم

..

ذلك أن هذه القطاعات سبق أن تلقت الوعود ذاتها، وعاينت الفشل ذاته، حين قيل بأن فلسطين أرض بلا شعب، وحين أقام الصهاينة دولة مسلحة بأكثر من مئتي رأس نووي، وحين رفعت هذه النخب جدرانا عالية حول مستوطنيها من كافة الجهات، وسقفت عليهم بالقباب الصاروخية الحديدية..

الشاهد أن قطاع غزة، على محدوديته الجغرافية والسكانية وعوزه الاقتصادي..، كان دوما المنطقة الأكثر استعصاء أمام المشروع الصهيوني.. وهو اليوم يطرح على هذا المشروع أسئلة أقرب إلى الطبيعة المصيرية.