رغم أن المفترض أن يكون الحزب الديمقراطي الأمريكي اليوم في أجواء احتفال، بعد احتفاظه بالبيت الأبيض وبأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، إلا أن للقطاعات التي تمثل قاعدة الحزب أحزانها أيضا.

فالكثير منها لم تعط أصواتها لأوباما لأنها مؤمنة بأنه يدافع عن مصالحها، وإنما لأنها أرادت أن تهرب بنفسها مما اعتبرته كابوسا مرعبا إذا ما فاز رومني.

بعبارة أخرى؛ أحزان الديمقراطيين الذين لم تعجبهم سياسات أوباما إذن، هي أنهم يدركون جيدا أنهم أسرى للحزب الديمقراطي لا يمكنهم إلا التصويت له.

فطوال فترة ولاية أوباما الأولى، علت الانتقادات لسياساته من داخل القطاعات التي كانت قد حملته حملا للبيت الأبيض.

والأسباب كثيرة، منها انحناؤه لمطالب وول ستريت على حساب مصلحة أغلبية الأمريكيين، والتباطؤ في حل مشكلة الهجرة، وتبنيه برنامجا للرعاية الصحية لم يحقق فيه وعوده كاملة، فضلا عن الإبقاء على الطابع الإمبراطوري للسياسة الخارجية، والانتهاكات الواسعة للحريات المدنية داخل أمريكا، ولحقوق الإنسان في حروب أمريكا الخارجية.

حتى الشباب الذين حملوا أوباما للبيت الأبيض، كانوا يتوقعون منه مواقف أكثر تقدمية من تلك التي اتخذها. ولكل ذلك، كان الكثير من تلك القطاعات قد عقد العزم على الإحجام عن التصويت كوسيلة احتجاجية، أو التصويت لمرشحى الأحزاب الصغيرة معدومة الفرصة، كعقاب لأوباما على تخليه عنهم.

لكن مع اقتراب يوم الاقتراع العام، وتضاؤل الهامش بين أوباما ورومني، أعاد بعض تلك القطاعات النظر في موقفها. فقد انتبهت إلى أن مقاطعتها الانتخابات أو تصويتها لمرشح معدوم الفرصة، قد يعني عمليا تكرار التجربة المريرة التي حدثت في عام 2000، والتي يعتبرون أن بلادهم دفعت ثمنها غاليا بفوز بوش.

ففي ذلك العام، كان الهامش بين آل غور الديمقراطي وجورج بوش الابن الجمهوري، ضئيلا في عدد من الولايات.

لكن الكثيرين من الليبراليين الأمريكيين الذين كانوا قد ضاقوا ذرعا بسياسات كلينتون-غور، كانوا قد قرروا في ذلك العام التصويت لمرشح حزب الخضر وقتها، رالف نادر، عقابا للحزب الديمقراطي.

لكن الأصوات التي ذهبت لنادر كان بإمكانها إنقاذ آل غور ومنحه الرئاسة، فكانت النتيجة أن ظل الهامش ضئيلا وتحولت الانتخابات لنزاع في المحاكم، حتى حصل بوش على الرئاسة بحكم من المحكمة العليا.

وبموجب هذه الخبرة المريرة، برزت دعوات كثيرة تشجع الديمقراطيين المستائين من أوباما، خصوصا في الولايات الحاسمة، للتصويت له، ليس إيمانا به وإنما من أجل دفع رومني بعيدا عن البيت الأبيض.

فعالم اللغويات والكاتب اليهودي الأمريكي المعروف نعوم تشومسكي، ظل من أكثر الكتاب انتقادا لأوباما طوال سنوات حكمه.

ولكنه دعا في الأسابيع الأخيرة للحملة، لدعم أوباما "دون أية أوهام بشأن مواقفه". أما الكاتب الليبرالى المعروف روبرت شيير، فقد نشر مقالا عنوانه "صوتوا لمن حصل على ناقص ب"، و"ناقص ب" هو ترتيب متأخر في درجات الكليات والمعاهد الأمريكية، يلى الأول والأول مكرر والثانى والثانى مكرر.

وهو شرح لقرائه أن أوباما لا يستحق كرئيس أكثر من ذلك التقدير المتدني، لكن لا بد من انتخابه لمنع رومني الذي لا يستحق إلا صفر!

أما وقد فاز أوباما بالفعل وتلاشى خطر وصول رومني للرئاسة، فإن منتقدي أوباما الذين أسهموا في فوزه، سواء من الرموز السياسية أو المتطوعين الذين خرجوا في حملة لتعبئة الديمقراطيين من أجل الخروج للتصويت، لهم أحزانهم. فهم يعرفون جيدا أنهم في الموقف الذي وجدوا أنفسهم فيه قبيل الانتخابات، لم يكونوا أكثر من أسرى.

فهم لا يمكنهم التصويت للحزب الجمهوري الذي يعتبرونه معاديا لمصالحهم، ولا يمكنهم المقاطعة لأنها تعني فوز الجمهوريين، ومن ثم ليس أمامهم إلا التصويت للحزب الديمقراطي، مهما ساءت سياساته، الأمر الذي يضعف من قوتهم لدى حزبهم.

والحقيقة أنهم محقون في أحزانهم. فحالة الأسر تلك ليست جديدة، والحزب فعلا لا يعمل لهم حسابا. فقد بدأت حالة الأسر تلك لقطاعات واسعة من الديمقراطيين، مع انتخابات كلينتون الأولى عام 1992.

ففي ذلك العام، كان كلينتون الجنوبي يمثل يمين الحزب الديمقراطي لا يساره، وهو اتبع استراتيجية وقتها قامت بالفعل على تجاهل قواعد الحزب الرئيسية. والمنطق وراء تلك الاستراتيجية، كان أن الحزب الديمقراطي فشل في الاحتفاظ بالبيت الأبيض، لأنه ذهب بعيدا نحو اليسار على نحو استعدى قطاعات واسعة من المستقلين.

ومن ثم فعلى المرشح الديمقراطي أن ينحو نحو يمين الوسط، لأن قاعدة الحزب في اليسار ستعطيه أصواتها في كل الأحوال، لأنه لا يمكنها التصويت للجمهوريين. وكان ذلك معناه تجاهل قضايا السود والعمال والطبقات الفقيرة.

غير أن أوباما ومن قبله كلينتون، ليسا مسؤولين وحدهما عن حالة الأسر تلك. فتلك القطاعات الأسيرة نفسها تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية، وهو ما اتضح بجلاء في ما آل إليه مصير "حركة أوباما".

فقد تفتتت الحركة بعد انتخابات 2008، ولم تشكل ضغطا من أي نوع على أوباما لإجباره على الالتزام بطموحاتها. بل لعل الخطأ الأفدح الذي ارتكبته تلك الحركة، كان أنها أيدته في الانتخابات أصلا، دون أن تطلب منه مقابل حمله حملا للبيت الأبيض.

كنت قرأت في كتاب لا أذكر اسمه الآن يتناول الرئاسة الأمريكية، قصة بطلها الرئيس الأمريكي السابق فرانكلين روزفلت. كان أحد الحركيين السود قد ذهب بعد الانتخابات التي فاز فيها روزفلت للقائه، وأخذ يشرح له تفصيلا مظالم السود.

استمع روزفلت حتى النهاية، ثم قال له "عظيم، أنا أتفق معك في كل كلمة قلتها. عليك الآن أن تعمل بين الناس لتجبرني على فعل ما تريد". والمعنى واضح؛ فبدون الضغط المستمر سيفضل الرئيس إيثار السلامة. فهل يستمع أسرى النظام الأمريكي لنصيحة روزفلت؟