من جديد يطفو على السطح الحديث عن مصداقية وسائل الإعلام، بعد مجموعة الفضائح والأزمات التي تعرضت لها هيئة الإذاعة البريطانية "بي. بي. سي"، التي تعد واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية في العالم، وأدت إلى توجيه سلسلة انتقادات لها من قبل عدد من أعضاء البرلمان البريطاني، ناهيك عن ملايين المستمعين والمشاهدين الذين يتابعون إذاعاتها وقنواتها التلفزيونية، وأدت إلى استقالة مديرها العام "جورج أنتويسل" بعد الأزمة التي أثارها التقرير الذي بثته نشرة الأخبار المسائية "نيوز نايت"، وتضمن اتهامات للورد المحافظ السابق "ماك ألباين" بارتكاب اعتداءات جنسية على أطفال في الثمانينيات، لكن "ستيف ميشام" الذي قيل خلال البرنامج إنه تعرض لاعتداء جنسي من قبل السياسي البريطاني السابق، نفى الأمر جملة وتفصيلا.
ولأن المصائب حين تأتي تترى، فإن هذه الأزمة أتت قبل أن يجف حبر الفضيحة التي تعرضت لها المؤسسة الإعلامية العريقة، عندما رفض رئيس تحرير "نيوز نايت" أيضا بث تقرير أعده أحد طواقم النشرة وقدمته إحدى مراسلاتها، يتعلق بتهم برزت مؤخرا حول مذيع "بي. بي. سي" الشهير "جيمي سافيل" الذي توفي العام الماضي عن 84 عاما.
حيث تحقق الشرطة البريطانية في قضايا تتهم المذيع الشهير بارتكاب اعتداءات جنسية طالت مراهقات، خلال أربعين عاما، اعتدى على بعضهن داخل مقار "بي. بي. سي". وتطال التحقيقات ثلاثة أطباء كانوا يعملون في مستشفى يشتبه في أن "سافيل" قام داخله بالتحرش بمرضى صغار السن، كانوا من أصحاب الحالات المرضية الحساسة، وذلك خلال قيامه بأعمال خيرية.
التصريحات التي أدلى بها بعض ضحايا "سافيل" للمعد والمراسلة، لم تجد طريقها للبث في نشرة "نيوز نايت"، بعد أن رفض رئيس تحرير النشرة عرض التقرير، بدعوى عدم توافر الجوانب الهامة لإعداد تقرير إخباري.
لكن المعد والمراسلة رفضا تبريرات رئيس التحرير، وحملا تقريرهما لبرنامج آخر يعرض في "بي. بي. سي" أيضا، هو برنامج "بانوراما" الذي فتح تحقيقا عن أسباب رفض بث التقرير، فاتضح أن الأمر يتعلق بمحاولة عدم فتح ملف الفضائح الجنسية التي ارتكبها "سافيل"، لأن القناة تستعد لتخصيص احتفالات "الكريسمس" لبث برنامج يشيد بأداء مذيعها الشهير، ومساهماته من خلال برنامجه "جيمي ويل فيكس إت" الذي استمر عرضه أكثر من عشرين عاما.
بالإضافة إلى برامج أخرى شهيرة قدمها، دون الالتفات إلى سجله الحافل بالاعتداءات الجنسية التي تقول الشرطة إن عدد ضحاياها الذين تحقق معهم بلغ حتى الآن 450 ضحية، من بينهم حفيدة شقيق "سافيل" نفسه، التي اتهمته بالاعتداء الجنسي عليها عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها!
هذه الفضائح التي تعرضت لها المؤسسة الإعلامية العريقة، تضع على المحك مصداقيتها هي بشكل خاص، ومصداقية وسائل الإعلام بشكل عام، وما يمارس على العاملين فيها من ضغوط داخلية وخارجية، باعتبار أن "بي. بي. سي" تطرح نفسها نموذجا للحياد والشفافية، وذلك نتيجة عدم تلقيها أي دعم حكومي، لا من الحكومة البريطانية، ولا من أي حكومة أخرى.
حيث يأتي تمويلها الضخم بشكل مباشر من المواطن البريطاني، عبر الضرائب التي تضعها الدولة على كل جهاز تلفزيون في بريطانيا، والذي في حال بيعه، على مالكه أن يدفع ضريبة سنوية، تجمعها الحكومة لتذهب إلى "بي. بي. سي" لتمويل فروعها المختلفة، مشكِّلةً ميزانية ضخمة لا تتوفر لوسيلة إعلامية غيرها، تقدَّر بحوالي أربعة مليارات جنيه إسترليني سنويا، الأمر الذي يوفر لها استقلالا ماديا يتيح لها حرية تناول الأخبار والموضوعات بعيدا عن أي ضغوط حكومية، مما جعلها تحظى بثقة مستمعيها ومشاهديها في كل أنحاء العالم.
لكن هذه الثقة، كما يبدو، اهتزت وأصبحت على وشك الزوال، ما لم تبادر الهيئة بإجراء تغييرات جذرية وهيكلية، وفقا لما يقوله رئيس مجلس أمنائها "كريس باتن" الذي يرى أنه يتعين استعادة الثقة، إذا أرادت الهيئة التي تموَّل من المال العام مواجهة ضغوط المنافسين، وخصوصا إمبراطورية "روبرت مردوخ" الإعلامية التي ستحاول استغلال الأزمة لصالحها، مؤكدا أن الأساس الذي يستند عليه وضع "بي. بي. سي" في البلاد هو الثقة التي أولاها إياها الناس، وإذا فقدت ذلك انتهى كل شيء.
"بي. بي. سي" التي تحتفل هذه الأيام بعيدها التسعين، أو "العمة" كما يسميها البريطانيون الذين يعتزون بهيئة إذاعتهم العريقة ويعتبرونها جزءا من الشخصية البريطانية، ليست إلا مثالا لأزمة المصداقية التي تمر بها جميع وسائل الإعلام، ليس في بريطانيا فقط، وإنما في جميع أنحاء العالم.
وبغض النظر عن رأي رئيس الوزراء البريطاني الذي أبدى ثقته في الهيئة وعبر عن اعتقاده بأنها إحدى أعظم المؤسسات في البلد، فإن رأي دافع الضرائب البريطاني يبقى هو الأرجح، وصوته هو الأعلى.
لكن السؤال الأهم والأجدر بالطرح هو: هل يستطيع برنامج في محطة تلفزيونية أخرى، أن يكشف امتناع برنامج آخر في المحطة نفسها عن بث تقرير يكشف جوانب سلبية فيها، مثلما فعل برنامج "بانوراما" الذي عرّى مصداقية رئيس تحرير "نيوز نايت" وكشف امتناعه عن بث التقرير الذي يدين "سافيل"؟
ربما يحتاج أساتذة الإعلام لدينا إلى وقت طويل كي يحللوا الموقف كله، ليقدموه إلى طلبتهم في كليات الإعلام وأقسامه في جامعاتنا، أما الإعلاميون فيمتنعون عن الكلام. ولنا في القنوات التي يوقَف بثها، والكُتّاب الذين يُمنعُون من الكتابة في دول الربيع العربي التي رفعت شعار الحرية، خير مثال لأسوأ نموذج نقدمه للعالم ولأنفسنا.