من المعلوم بداهةً أن الفاشل لا يُحرّك ساكناً بنفسه ولا يُلفتُ نظراً إليه ولا يؤجج غيرة غيره منه، فوحده الناجح من تترصده أعين الآخرين، فتصفق له الأيادي البيضاء، وتتألبُ عليه النفوس المريضة، فلا تترك وسيلةً للنيلِ منه ومن نجاحه إلا واستخدمتها، ولا درباً يؤلب الآخرين عليه إلا وسلكته.

منذ بناها زايد، رحمه الله، وإخوانه والإمارات تدعُ انجازاتها تتحدّث عنها، فشاع ذكرها بالخير، وعُرِف علو مقامها ورفعة العيش بها بين الأقطار، فتوافدت عليها الأجناس من كل حدبٍ وصوب، أملاً في كرامة العيش وسعة الرزق ووفور الكرامة والتنعّم بدثار الأمن، ولم يكن بمحض الصدفة أن تتبوأ أبوظبي ودبي قمة أفضل المدن العربية للمعيشة.

وأن تُنافس كبريات مدن العالم، ولم يكن وليد صُدفةٍ أيضاً أن تكون بلادنا سبّاقة في تنويع مصادر الدخل نأياً بنفسها أن يكون مستقبلها مرهوناً بأسعار النفط المتأرجحة، والذي لم يعد يُمثّل إلا 29% فقط من ناتجها القومي، ومتقدمة على كافة جاراتها في تنويع مصادر الطاقة ورائدةً في نشر مفاهيم الطاقة النظيفة وإدارة مشاريعها وتنفيذها في أوروبا نفسها كمشاريع مصدر في بريطانيا وإسبانيا.

ومتجاوزةً لاحتمالات المستقبل بمشاريع المخزون الاستراتيجي للمياه ومشروع خط حبشان الفجيرة الذي بفضله يتم تصدير ثلاثة أرباع إنتاجنا النفطي بعيداً عن مضيق هرمز وتأزماته التي لا تنتهي في بيانٍ جلي على صواب نظرة القيادة الرشيدة وسلامة التخطيط وسرعة الإنجاز، عملاً على ديمومة دولة الرفاهية واستمرارية التنمية ومشاريعها.

إن الباحثين عن الكمال لا يعيشون في عالم الواقع، فلا تحقق الكمال طيلة تاريخ البشرية الطويل ولن يتحقق حتى قيام الساعة، ولكن ما يُبحث عنه هو الأنسب والممكن، ففي اقتراع موسع أجراه المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخراً أكّد 56% من المشاركين أنّهم فقدوا الثقة في تعافي الاقتصاد العالمي، بينما قال 72% إنّهم فقدوا الثقة بوجه عام في أنظمتهم السياسية بأوروبا واليابان وأميركا، لكنّ أولئك المثرثرين لديهم لا يفوّتون فرصة دون محاولة الإساءة لنا بدلاً من توجيه همّهم لإصلاح أوضاعهم الاقتصادية المتردية والتي عصفت بحياة البشر هناك.

فبعد غضبة بعض مثقفيهم على مشروع السعديات الثقافي المبهر وتخرّصاتهم بأنّنا نحاول شراء (الحضارة)، متناسين أنّ أغلب موجودات اللوفر ومتاحف أوروبا هي من بلاد الشرق الأوسط وبأنّ الحضارة نتاجٌ تراكمي للانسان طيلة تاريخه، ليخرجوا علينا بهجمات تالية على طيراني الاتحاد والإمارات بعد نجاحاتهما الساحقة في ريادة الأجواء، لنجد هجماتهم تأخذ بُعداً جديداً بالعزف على وتر حقوق الإنسان لدينا.

فما إن كمّم اختيارُ الإمارات لعضوية حقوق الانسان بأعلى نسبة تصويت تقريرَ البرلمان الأوروبي المجحف، إذا بنا نسمع ردحاً آخر يقوده آلان هوغراث رئيس السياسات والشؤون الدولية بمنظمة العفو البريطانية الدولية ليُعلّق على زيارة ديفيد كاميرون الأخيرة للخليج وما تردّد عن محادثاته لبيع طائرات التايفون البريطانية بقوله: "

إنّ بيع أسلحة لدول كالسعودية والإمارات لا يجب أن يؤخذ في الاعتبار ما لم تكن هناك ضمانات أكيدة بألا يتم استخدامها في خروقات لحقوق الانسان"، ويتابعه زميله هنري مكلولين وهو من المناوئين للتسليح عموماً قائلاً: "رئيس الوزراء ادّعى بأنه يأمل بدعم الديمقراطية في الشرق الأوسط وفي نفس الوقت يبيع أسلحة لهذه الحكومات الشمولية"!

هذا الكلام لا يُعذَرُ قائله بالجهل بالحال، فأفراد الجالية البريطانية ينوفون عن المئة ألف هنا وهم خير من يُسأل لإعلام بلادهم لمعرفة الحقيقة، ويكفي أن مسحاً عالمياً أجراه بنك HSBC أوضح احتلال الإمارات للمركز الأول عالمياً كأفضل البلدان للمقيمين الأجانب وأكثرها رفاهية، بينما أتت بريطانيا في المرتبة الرابعة عشرة.

وعندما يتحدث شخصٌ بهذه الطريقة المشوِّهة عن دولة عُرِفَ عنها أنها مقصد الباحثين عن العيش الحر والهاربين من تضييق حكوماتهم عليهم، فإنّ الأمر لا يعدو أن يكون بحثاً عن الشهرة ومحاولة للفت الأنظار، فها هي أوروبا الشرقية بعد دعاواهم بتحريرها وإعادة الاعتبار لحقوق الإنسان فيها لازالت معدلات الفقر والجريمة والرقّ ترتفع بها باطراد، فلا ظهر الربيع ولا ابتلت الأفواه ولا أمِن الخائف، بينما حكامنا لم يأتونا على ظهور الدبابات .

ولا على أحداثٍ دامية، بل هم منّا وفينا، عرفناهم وألفناهم، كبيرهم لنا أب وصغيرهم لنا أخ وابن، يشاركوننا الفرح كما يشاطروننا الأحزان، والتهم القلوب والعقول قبل أن تلهج بالولاء الألسنة، وليت هوغراث وصاحبه فسّرا لنا كلمة رئيس وزرائهم عندما قمع المتظاهرين في أحداث لندن الأخيرة بقوله: "

لو نزلوا من الرصيف إلى وسط الشارع فلا تسألوني عن حقوق الإنسان"، وليتهما اعترفا بأنّ البشر هناك يختارون حكومة شكلية فقط أما الحكومة الفعلية فممثلة بالشركات عابرة القارات وأشباهها فلا سلطة لهم عليها وهي من تحرك مسار البلد، فأين هي إرادة الشعب التي يتبجحون بها وحقوقه؟

إنّ الامارات ليست حقاً مُشاعاً لكل صغيرٍ باحثٍ عن الأضواء، وليست زهرةً يصلها من أراد ويقطفها من أحب ويدوس نضارتها من شاء، بل هي جوهرة حصينة تنافح عنها العقول، وتدافع عنها السواعد، وتذبّ عنها الألسنة، وتسيل لكرامتها دماء الرجال.

فكل شيء من الممكن أن نتساهل به وأن يكون عُرضة للتجارب إلا الوطن، ومن عشق تراب وطنه ونهل من معين زايد لن تزعزعه تلفيقات المتسلّقين على أكتافنا فهو أدرى بواقع بلاده من أكاذيبهم وهو أقرب إلى قادته منهم هم إلى قادتهم وشتّان الفارق.

ومن يحب بلاده فليُعنها على التقدم مبادراً لا منتظراً لدفعٍ أو توجيه، ودون شروط مسبقة أو انتظار شيء في المقابل، بفكره وجهده وبحرصه على سمعتها واستقرارها، متيقناً أن المحن لا تزيدها إلا رسوخاً وتماسكاً، لندعو لها بدعاء إبراهيم عليه السلام : "ربِّ اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبَنيّ أن نعبد الأصنام".