بعد الهزيمة المدوية التي مني بها الحزب الجمهوري وأدت لسيطرة الديمقراطيين على الرئاسة لثماني سنوات، كتب الكثير من الأميركيين عن الأزمة التي يعيشها ذلك الحزب، والتي تستوجب البحث عن حل لمعضلتها. والحقيقة أن المعنى نفسه كانت قد أشارت له كاتبة السطور في مقال نشر في هذا المكان في 21 مارس الماضي، كانت الفقرة الأولى فيه تقول إنه «إذا ظل الحزب الجمهوري الأميركي على حالته الراهنة فالأرجح أن مصيره الزوال خلال العقدين المقبلين. فالحزب يزداد «بياضاً»، بينما الولايات المتحدة الأميركية تموج بكل ألوان الطيف».

فقد أسفرت انتخابات الرئاسة التي أجريت منذ أسبوعين عن نتائج تشير إلى حجم المأزق الذي يعيشه الحزب الجمهوري. فأوباما فاز بأغلبية أصوات الأقليات والمرأة والشباب والفقراء. أما رومني فرغم أنه حصل على 89% من أصوات البيض إلا أنه لم يصل للبيت الأبيض. ذلك أن الحزب الجمهوري، بمواقفه التي تزداد تطرفاً نحو اليمين واستراتيجيته التي تحمل توجهاً عنصرياً لا يخطئه العين، لم يعد متكيفاً مع التحول الديمغرافي الجوهري الذي تمر به الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي سيتحول فيه البيض في الأربعينات من القرن الحالي إلى أقلية، وسيشكل فيه الشباب أكثر من 40% من القوة الناخبة في عام 2020، فإن الحزب الجمهوري استعدى كل القطاعات تقريباً، باستثناء البيض وبالذات من الذكور الأكبر سناً.

والحزب الجمهوري بمواقفه وسياساته صار طارداً للأقليات وللمرأة بمن في ذلك المرأة البيضاء، كما صار يستعدي الشباب والقطاعات الأقل حظاً من الناحية الاقتصادية، والرافضين لحالة الحرب الدائمة التي تعيشها «الامبراطورية» الأميركية. والموقف المتشدد للحزب الجمهوري بشأن أوضاع المهاجرين خصوصاً في السنوات الأخيرة قد وضع جداراً بين الأميركيين من أصل لاتيني وبين الحزب، رغم أن ذلك القطاع تحديداً كان مرشحاً للانجذاب للحزب الجمهوري على أساس ديني، حيث يرفض الكاثوليك الحريات الاجتماعية الواسعة التي يتبناها الديمقراطيون. وسياسات الجمهوريين الاقتصادية، استعدت المرأة والشباب وباقي الأقليات وأصحاب الدخول المنخفضة.

والذين أعطوا صوتهم للحزب الجمهوري، إذاً هم المحافظون اجتماعياً وثقافياً والأصوليون المسيحيون والرافضون لفرض ضرائب خصوصاً على الأثرياء فضلاً عن أولئك الذين يدعمون الإنفاق المتزايد على الدفاع والأسلحة والحروب. أما أوباما، فبينما حصل على 55% من أصوات النساء، فإنه حصل على 71% من أصوات الأميركيين من أصل لاتيني و92% من أصوات الأميركيين من أصل أفريقي و60% من أصوات أصحاب الدخول المنخفضة فضلاً عن 60% من أصوات الشباب تحت سن الثلاثين.

والحزب الجمهوري اعتمد في حملاته الانتخابية منذ الستينات على جذب البيض المحافظين للحزب عبر استراتيجية انتخابية عرفت «باستراتيجية الجنوب»، استخدمت لغة شفرية موجهة للبيض وبالذات في ولايات الجنوب، مؤداها أن الحزب الديمقراطي قد ذهب بعيداً نحو دعم حقوق الأقليات على حسابهم. وقد استطاع الحزب الجمهوري من خلال الاستخدام المتراكم لتلك الاستراتيجية، أن يحول الجنوب الأميركي إلى معقل رئيسي له، وصار اليمين الأصولي المسيحي من أهم قواعد الحزب وهو ما سمح للجمهوريين منذ الثمانينات بتحقيق إنجازات انتخابية ضخمة، خصوصاً في السيطرة على الكونغرس. ثم ازداد الحزب في التسعينات انجرافاً نحو اليمين بفعل مجموعة نيوت جينجريتش الذي وصل وقتها لرئاسة مجلس النواب، ومثّل هو وصحبه مزيداً من العدوانية والصلف بالذات في الشؤون الخارجية والاقتصاد. وكأن ذلك لم يكن كافياً. فقد جاء بوش الابن ليضيف هيمنة المحافظين الجدد على صنع السياسة. وما إن تولى أوباما حتى ظهرت حركة «حفل الشاي» اليمينية التي ضمت قطاعات مختلفة كان من بينها قطاعات عنصرية بالغة التطرف رفضت الاعتراف أصلاً بشرعية أوباما رئيساً. وهكذا ظل الحزب يندفع كثيراً نحو اليمين، فلم يعد يجذب إلا قطاعات بعينها يروق لها ذلك التوجه، بينما يستعدي كل القطاعات الأخرى.

واستراتيجية الجنوب التي ظل الحزب الجمهوري يستخدمها حتى العام الانتخابي الحالي كانت رغم قبحها استراتيجية ناجحة طالما ظل البيض أغلبية، وهي مرشحة للفشل أكثر فأكثر كلما انحسرت أعدادهم.

لكن المعضلة التي يواجهها الحزب الجمهوري هي أنه إذا تخلى عن تلك الاستراتيجية وعن مواقفه السياسية المتطرفة، فإنه سيخسر قاعدته الانتخابية الحالية، من اليمين المسيحي لحفل الشاي، الأمر الذي يحتاج إلى عملية تحول ضخمة قد تستغرق سنوات طويلة. لذلك، فإن الحزب الجمهوري أمامه مساران، أولهما أن يخوض معركة البحث عن روح الحزب مهما استغرقت من وقت، فينقذ بذلك نفسه من الانقراض، وثانيهما أن يسعى لبعض التحولات الشكلية التي قد تنفخ فيه الروح لعدد آخر من السنوات دون حلول حقيقية. ومن تلك التحولات الوقتية التي قد يلجأ لها الحزب، يحتمل أن يعيد إنتاج استراتيجية الجنوب، ليس لتأليب البيض على الأقليات كما فعل دوماً، وإنما هذه المرة لتأليب بعض الأقليات على بعضها بعضاً، أو تقسيمها بحيث يكون للحزب نصيب أكبر من كل منها على أساس قضايا تفرق ولا تجمع. وتأليب قطاعات على أخرى مسألة لا يصعب تحقيقها، خصوصاً في ظل الأزمات الاقتصادية. ففي إطار استراتيجية الجنوب، استخدم الحزب الجمهوري الوضع الاقتصادي المأزوم للكثير من البيض الذكور مثلهم مثل غيرهم من الأميركيين، لإقناعهم بأن الأقليات تسرق منهم الوظائف. ومن الممكن اليوم تأليب الأقليات على بعضها لأسباب اقتصادية أو السعي لتقسيم كل أقلية وفق اعتبارات أخرى دينية أو اجتماعية، ليكسر الحزب الجمهوري تكتل تلك الأقليات خلف الحزب الديمقراطي.

ما المسار الذي سيلجأ له الحزب؟ هذا هو السؤال الأهم في المرحلة المقبلة.