الحرب الأهلية الجديدة في أميركا

النقد اللاذع أسوأ مما أتذكره، فهو أسوأ من التملق الذي سببته سارة بيلين في عام 2008، وهو أسوأ من أكاذيب سريعة في عام 2004، وأسوأ من جنون السماح بأي شيء في عام 2000 وما تلا ذلك من شعور بالمرارة.

إنها حرب أهلية تقريباً، وأنا أعرف عائلات لم يعد أقارب فيها يتحدثون مع بعضهم. تقول إحدى خدمات التعارف، إن الديمقراطيين لن يبحثوا إمكانية الخروج مع الجمهوريين، والعكس بالعكس. يحتوي البريد الإلكتروني الخاص بي وصفحتي على تويتر، على رسائل من غرباء لم أكن لأشارك حفيدتي في الاطلاع عليها.

ما الذي يجري؟ نعم، إننا منقسمون بشأن قضايا مثل حجم الحكومة، وما إذا كان ينبغي للنساء أن تكون لهن السيطرة على أجسادهن. ولكن هذه ليست نقاشات جديدة تماماً.. كنا مختلفين حول حجم الحكومة ودورها منذ خلاف توماس جيفرسون مع ألكسندر هاملتون، وحول حقوق الإجهاض منذ الفترة ما قبل رو ضد وايد، قبل ما يقرب من أربعين عاما.

كانت لدينا خلافات أكبر في الماضي، بشأن حرب فيتنام والحقوق المدنية ومطاردات سحرة الشيوعية، وهي أمور لم تتسبب في إحداث شقاق في صفوفنا على هذا النحو. ربما يتعلق الأمر بأننا أكثر تفرقاً الآن، على الصعيدين الجغرافي والانترنيتي.

كانت المدينة التي نشأت فيها خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي، معقلاً للحزب الجمهوري، ولكن هنري والاس، الذي كان نائب الرئيس الأميركي الأسبق روزفلت، تقاعد هناك لحسن الحظ. خلافاتنا السياسية حينئذ هناك لم تعترض طريق صداقاتنا، أو حتى عائلاتنا، حيث صوّت والدي للحزب الجمهوري فيما كانت والدتي تؤيد الديمقراطيين. وشاهدنا جميعاً إدوارد مورو وهو يقدم الأخبار، ومن ثم في وقت لاحق، والتر كرونكايت، وكان كلا الرجلين المحكمين النهائيين للحقيقة.

ولكن معظمنا الآن يوجد في فقاعاتنا السياسية، في اليسار واليمين. أنا أعيش في بيركلي بولاية كاليفورنيا، وهي مدينة زرقاء في ولاية زرقاء، ونادرا ما تصادف شخصاً ليس ليبرالياً من الحزب الديمقراطي (أكبر المعارك هنا بين اليسار المعتدل واليسار المتطرف). يتضمن التلفزيون المئات من القنوات، لذا يمكنني أن أختار ما أريد لأشاهده ومن الذي أريد أن أسمعه. وكل شيء أقرأه على الانترنت يؤكد كل ما أؤمن به، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى خوارزميات غوغل.

لذلك عندما ينزعج الأميركيون من السياسة في هذه الأيام، فإننا نميل إلى التقوقع على أنفسنا، دون الاستفادة من أي شخص نعرفه جيدا ونختلف معه، وهذا يجعل من المستحيل تقريبا بالنسبة لنا، أن نفهم الجانب الآخر.

إن الانقسام الجغرافي يعني أيضا أنه يتم تمثيل عدد أكبر من الأميركيين في الكونغرس، من قبل أشخاص تنبع منافستهم السياسية من المنافسين المبتدئين، وهم الجمهوريون اليمينيون في الولايات والمناطق الحمراء، والديمقراطيون اليساريون في الولايات والمناطق الزرقاء، وهذا يدفع الذين يمثلوننا إلى تباعد أكبر من ذلك. ولكنني أعتقد أن درجة السم الذي نعاني منه، لها جذور أكثر عمقاً.

أميركا آخذة في أن تصير أكثر بنية وأكثر اسوداداً، ومعظم الأطفال الذين ولدوا في ولاية كاليفورنيا هم الآن أقليات، وفي غضون سنوات قليلة سوف تصبح أميركا ككل، أغلبية من الأقليات. وفي الوقت نفسه، فإن النساء يكتسبن هيمنة اقتصادية.

صحيح أن متوسط أجورهن لا يضاهي ما يحصل عليه الرجال حتى الآن، لكنه آخذ في الاقتراب منه. ومع حصول المزيد من النساء على شهادات جامعية مقارنة بالرجال، فسوف تتجاوز رواتبهن بالتأكيد الأجر الذي يحصل عليه الرجل، في غضون سنوات قليلة.

وفي الوقت نفسه، فإن الرجال غير الحاصلين على شهادات جامعية، يستمرون في فقدان الأرضية الاقتصادية. ومع أخذ التضخم في الاعتبار، فإن متوسط أجرهم أقل مما كان عليه قبل ثلاثة عقود.

وبعبارة أخرى، فإن الرجال البيض من الطبقة العاملة، يقفون عند الطرف الخاسر من تحول ديمغرافي واقتصادي كبير. وهذا ما جعلهم بارودا من الإحباط والغضب، يشتعل بحماس شبكة فوكس نيوز وراش ليمبو، وغيرهما من مفجري النكد، بما في ذلك عدد متزايد من الجمهوريين الذين وصلوا إلى السلطة السياسية من خلال سكب الزيت على النار.

إن الترويج للكراهية وما يصحبه من إلقاء المسؤولية على الآخرين، من المهاجرين والسود والنساء اللواتي يرغبن في الإجهاض، وحكومتنا نفسها، كان من شأنه تشريع بعض النقد اللاذع وإلقاء المسؤولية على اليسار أيضاً.

إنني أكره ما يقوم به الإخوة كوخ وكارل روف وغروفر نوركويست وروبرت مردوخ ورايان بول، وأكره السياسة الخاصة بهم. ولكن في هذه البيئة الساخنة، فإنني في بعض الأحيان أذكر نفسي بأنني لا أكرههم شخصياً.

لم تكن هذه الدرجة من الانقسام لتتأصل، لو أن أميركا حافظت على التكافل الاجتماعي الذي كنا نتمتع به قبل جيلين. فالكساد الكبير والحرب العالمية الثانية، ذكرانا بأننا جميعا كنا في هذا الوضع. كان علينا أن نعتمد على بعضنا البعض من أجل البقاء على قيد الحياة، وهذا الشعور بالاعتماد المتبادل تجاوز خلافاتنا.

كان والدي جمهوريا، ويؤيد بقوة الحقوق المدنية وحقوق التصويت والرعاية الطبية والمعونة الطبية. أتذكره قائلاً: "إننا جميعاً أميركيون، ألسنا كذلك؟".

الأمر المؤكد أننا تحملنا أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأننا خضنا الحرب في العراق وأفغانستان وعانينا الكساد الكبير. لكن هذا لم يربطنا، كما كانت تربطنا معاً فترة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية.

حالة الرعب من أحداث الحادي عشر من سبتمبر لم تمس كل واحد منا، وكانت التضحية الوحيدة التي طلبها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش منا، هي أن نستمر في التسوق.

يتم خوض حروب اليوم من خلال البنادق المستأجرة، من خلال الشباب الذين ندفع لهم للقيام بهذا العمل الذي لا يريد معظمنا أن يقوم به أطفالنا. والكساد الكبير تسبب في انقسامنا وليس في ترابطنا، ذلك أن الأغنياء يزيدون ثراءً، أما بقية الأميركيين فيزيدون فقراً وهم أقل شعوراً بالأمن.

إن التحدي، الذي لا يواجه الرئيس الأميركي والمسؤولين في واشنطن فحسب وإنما يواجهنا جميعا، هو إعادة اكتشاف الصالح العام.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات