لا شك أن دولتنا تملك كنوزاً من التراث تحافظ عليه بقدر سعيها إلى الانطلاق للمستقبل، وهذا الذي حفظ التوازن للشخصية الإماراتية، وهو ما بيّنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حين أكد أنه يتطلع إلى مشروع حضاري شامل، يستوعب الحديث دون إخلال بالأصيل، بما يحفظ للوطن وجوده، وللمواطن هويته، وللمجتمع تماسكه. فلا تساهل ولا تهاون مع كل ما يهدد قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ولغتنا الوطنية التي هي قلب الهوية الوطنية ودرعها، وروح الأمة وعنصر أصالتها، ووعاء فكرها وتراثها.
وفي تناغم شديد وسير على الدرب ذاته، استوقفتني إطلالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على «توتير» مخاطباً أبناء الإمارات، كعادته في التواصل معهم كلما جد أمر أو هبت رياح عطرة تحمل ذكرى طيبة على نفوسنا، للدرجة التي تجعلنا ننتظره حين يعن أمر من الأمور، لنستكشف معالم الطريق في عالم مضطرب اختلط فيه الحابل بالنابل، والصادق بالمدعي، ومن يقول كلمة حق يريد بها باطلاً، أو من يلبس الحق بالباطل، فيصعب على الكثيرين التمييز بينهما، لذا كانت كلمات صاحب السمو قوة دفع تبعث في النفس القدرة على استكمال المسيرة بهمم الرجال أصحاب الرؤى.
أقول إن ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد، بمناسبة استقبال العام الواحد بعد الأربعين لاتحاد دولة الإمارات العربية، تحت شعار روح الاتحاد، مخاطباً الشباب «إن دولة الإمارات ليست قصة عمرها 41 عاماً فقط، نحن شعب تمتد جذوره التاريخية آلاف السنين في هذه الأرض الطيبة، اقرؤوا عن حضارة أم النار التي تعود لأكثر من 2000 عام (ق.م)، أو عن جلفار في القرن الرابع الهجري، أو عن المدينة الإسلامية في جميرا في العصر الأموي، اقرؤوا عن مقاومة أهلكم للبرتغاليين في عام 1506، أو عن تصديهم للبريطانيين خلال القرن السابق»، وأن «أول درس من دروس روح الاتحاد أن نعرف تاريخنا، نحن لسنا أمة طارئة على التاريخ، نحن شعب عريق بنى أمجاداً في الماضي، وسيبني مستقبلاً مجيداً أيضاً».
إن مخاطبة صاحب السمو لأبنائه، في هذه المناسبة الغالية على قلوبنا، إنما هي ليؤكد أننا أمة عظيمة لن تكتفي فقط بالتباهي بما فعله آباؤنا والحضارة العربية التي أذهلت العالم، ولكننا أمة قادرة على صنع مستقبل مجيد. وقال «الأمم العظيمة هي الأمم التي تملك رؤية عظيمة، وتسعى لتحقيقها، وهكذا يصنع التاريخ».
إن الأمم العظيمة هي التي لها ذاكرة، والتراث هو ذاكرة الأمة وسيرتها الماثلة التي لا تقبل التشكيك، لذلك فإن الصراعات والحروب الدولية لا تقتصر فقط على قتل البشر واحتلال الأرض، ولكن تدمير ذاكرة الشعوب عبر تزوير التاريخ أو طمسه، وإذا عز ذلك فليكن إحراق المكتبات أو الإلقاء بمحتوياتها في مجرى الأنهار، كما أن المتاحف التاريخية، بما تحويه من آثار، لم تكن بعيدة عن النهب والتدمير والعبث، والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى، سواء في التاريخ القديم أو الحديث والمعاصر.
إنني ما زلت أردد أن ما صنعه المؤسسون بكل المقاييس، هو معجزة سياسية وإنسانية تخطوا بها عصرهم، وما رأوه منذ أربعين عاماً يسعى إليه الكثيرون الآن، وما فعله حماة الاتحاد والسائرون على دربه هو أيضاً نموذج حضاري فريد ومبهر، حيث امتد اهتمام الدولة في الحفاظ على التراث الإنساني العالمي، عبر إقامة شراكات عالمية مع العديد من دول العالم والمنظمات المعنية، انطلاقاً من قناعتها بقيمة التراث الإنساني.
كما أن التراث عندي لا يعني فقط ما خلفه الأوائل من آثار مادية نتعرف إليها ونعتز بها ونحافظ عليها، ولكنه إرث ثقافي، وتجربة إنسانية شاملة، ومحطات يجب التوقف عندها، ومسيرة يجب استخلاص العبر منها، حتى نرشد من سلوكنا، ونكون أكثر وعياً. ولا شك أن استلهام تراثنا ومسيرتنا وتاريخنا، هو الدليل الأبهى الذي يكشف لنا الكثير حول القضايا التي أحاطها اللغط والتبست لدى الكثيرين.
فعندما نشاهد هذا الارتباك في الشارع العربي، تخرج لنا مقولة الشيخ محمد بن راشد أن المغفور لهما بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخاه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وإخوانهما حكام الإمارات، أقاموا دولة في حين نحن نرى الآن معاول الهدم تنال الدول، وأنهما لم يسعيا في ذلك إلى زعامة أو قيادة ولكن لبناء الإنسان وإقامة مجتمع، على الرغم من ندرة الموارد وضعف الإمكانيات، إلا أن علو الهمة كان أقوى فكان لهما ما أرادا.
وإذا كان التراث حفظ عبر الأجيال، من خلال المشافهة والتلقين والحكي، إضافة إلى الكتابة على الحوائط والجدران، فإن ما نعيشه الآن من تقدم مذهل في كيفية الحصول على المعلومة وتبويبها وتخزينها واستدعائها، فضلاً عن أساليب العرض والتقديم، يتطلب منا توظيف كافة الوسائل واستخدام أحدث تكنولوجيا العصر في إعادة تقديم تراثنا بلغة العصر ذاته.
وأقول هنا إن على جميع المؤسسات الوطنية وخاصة التعليمية، سواء في مرحلته الجامعية أو ما قبلها، الدفع بتعريف الطلبة بتراثهم في كافة جوانبه، من خلال إجراء البحوث والمشروعات التي تكون موضوعات التراث المادي وغير المادي نقطة الارتكاز فيها، كما يجب ألا تقتصر الرحلات المدرسية على الأماكن الترفيهية، ولكن من الأهمية بمكان ربط التلاميذ بتاريخهم، وهذا من شأنه تعميق الاعتزاز بالهوية الوطنية وتجسير العلاقة بين الماضي والحاضر، وكذلك التعريف بمعاناة السلف حتى نصل إلى ما نحن عليه اليوم، لنحافظ عليه.
وحفاظنا على تاريخنا وتنميته استكمال لمسيرة الخير، ولنتعلم الدرس كيف أنهم في مسيرتهم كانوا يتطلعون إلى مستقبل أفضل لمن سيأتي بعدهم، وفي دروس العطاء كانت لهم أمجاد تنهل منها الأجيال ولا تنضب، والأمثلة الحية في ألا يعيش الإنسان لنفسه فقط.
إن توثيق العروة بين ثقافتنا المعاصرة وبين تراثنا لتشكل النسيج الأكبر لنسقنا الفكري والسلوكي، هو الضمانة الأكيدة لحماية أبنائنا من كل أشكال المسخ الفكري والسلوكي التي تهدد عالمنا، وهو ما يرسخ الهوية الوطنية ويعمقها، لأن الأمة التي تعتز بتراثها قادرة على صناعة مستقبلها.