«الانفصال عن الواقع» هو وصف الحالة الذي اختاره الناطق باسم وزارة الخارجية الإيطالية، يوم الجمعة الماضي، ليعبر به عن رأي الوزارة في الحديث الذي أدلى به الرئيس السوري بشار الأسد لقناة "روسيا اليوم" في اليوم نفسه، وأكد فيه أن بقاءه في منصبه أو رحيله مسألة لا تتم إلا من خلال صناديق الاقتراع، قائلا إنه ما زال يتمتع بسلطاته "بموجب الدستور وطبقا للدستور".
مؤكدا أن "أي سوري يمكن أن يكون رئيسا"، وأن "هناك العديد من السوريين المؤهلين لهذا المنصب"، وأنه "لا يمكن ربط البلد بأسره بشخص واحد فقط، وبشكل دائم"! حديث واقعي لو تم تجريده من قائله الذي يواجه حركة احتجاجات شعبية تعسكرت بشكل تدريجي مطالبة بإسقاطه، لكنه والحال هذه يصبح حديثا منفصلا عن الواقع، كما وصفه الناطق باسم وزارة الخارجية الإيطالية.
فالدستور الذي يحكم بموجبه الرئيس السوري وطبقا له، على حد قوله، تم تغييره خلال خمس دقائق بعد وفاة أبيه، لأنه لم يكن قد بلغ السن القانوني للحكم، حسب نص الدستور الذي "يحكم بموجبه وطبقا له" وقتها، لذلك فإن ربط هذا الحديث بالواقع في ظل هذه المعطيات، يصبح غير واقعي ولا منطقي ولا هو مقنع.
"الانفصال عن الواقع" ليس حالة سورية فقط، بل هو حالة عربية بامتياز، رغم نسمات الربيع التي تحولت إلى حر لافح في بلدان الربيع العربي، أشعل فيها الحرائق، وجعلها ساحة للخلافات والصراعات التي تحول بعضها إلى دموي، علا فيه صوت السلاح على صوت الحوار، وسال فيه الدم قبل أن تجف دماء الذين ضحوا بأرواحهم على أمل أن تورق الأشجار وتتفتح الأزهار، لكن خيبة أملهم كانت أكبر من خسارتهم لأرواحهم، فلا الأشجار التي رووها بدمائهم أورقت، ولا الأزهار تفتحت، بعد أن تسلق هذه الأشجار من لم يكن له فضل في زراعتها، وقطف الثمار من لم يكن له فضل في تلقيحها، لذلك غدا "الانفصال عن الواقع" هو الواقع نفسه، لأننا لم نعد نفرق بين الحلم والواقع، ولا بين الحقيقة والخيال.
و"الانفصال عن الواقع" ليس حالة عربية فقط، بل هو حالة عالمية لا تفرق بين الشرق والغرب، والدليل على ذلك التسريبات التي تحدثت عن رسالة روسية مباشرة، أبلغها الرئيس "فلاديمير بوتين" إلى نظيره الأميركي "باراك أوباما" وعدد من القادة الأوربيين، أُتْبِعت برسالة تحمل المضمون نفسه، أبلغها وزير خارجيته "سيرغي لافروف" خلال اجتماعه بوزراء خارجية الاتحاد الأوربي، مفادها "إذا أردتم إسقاط الرئيس الأسد، فإنكم محكومون بممر إلزامي في الكرملين بإسقاط فلاديمير بوتين أولا"!
فحين يكون إسقاط رئيس دولة عظمى، بحجم روسيا، مربوطا بإسقاط دولة أخرى، مهما كان حجمها وموقعها، يصبح "الانفصال عن الواقع" هو الوصف الأصدق والأكثر مناسبة للحالة التي نعيشها، لأنه حتى في أوج ازدهار العلاقات بين الاتحاد السوفيتي السابق والدول العربية، وعلى رأسها "مصر عبد الناصر"، لم يقل أحد من زعماء الاتحاد السوفيتي الذين كانوا يفوقون "بوتين" عظمة وقوة ودهاء سياسيا، إن إسقاط زعيم بحجم ومكانة وقوة عبد الناصر وقتها، محكوم بممر إلزامي في الكرملين بإسقاط أي من قادة الاتحاد السوفيتي، أو حتى أصغر عضو في "الحزب الشيوعي السوفيتي"، الذي تربع على سدة الحكم منذ الثورة البلشفية عام 1917م وحتى تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره عام 1991م، رغم حالة "الانفصال عن الواقع" التي اكتشفنا أن النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي نفسه كان يعيشها قبل تفككه.
حالة "الانفصال عن الواقع" هذه ليست حالة أوربية شرقية فقط أيضا، والدليل على ذلك قرار البرلمان الأوروبي الذي أبدى فيه قلقه حيال أوضاع حقوق الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة، مطالبا إياها بإجراء إصلاحات! هذا القرار الذي كان واضحا أنه "متحيز ومتحامل ويلقي التهم جزافا" كما وصفه الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية.
ففي الوقت الذي تُعتبَر فيه الإمارات قلعة للتسامح والتعايش بين مواطنيها والمقيمين على أرضها من شعوب الأرض جميعا، يصمها هذا القرار المجحف بالقمع، واستغلال العمال الأجانب، لا سيما النساء منهم، والاتجار بالأفراد بهدف استغلالهم في العمل، وحرمان هؤلاء العمال من رواتبهم والمأكل، وعزلهم وتعريضهم للعنف الجسدي والجنسي!
تهم عديدة لو صحت واحدة منها لما كانت الإمارات قبلة العرب والأجانب من شتى أنحاء المعمورة، يبحثون فيها عن رزقهم، ويستثمرون فيها أموالهم، ويتمنون العيش فيها لأنها واحة أمن وأمان واستقرار، وسط هذا العالم الذي يمور بالحروب، ويعج بالمآسي، ويعاني من عدم الاستقرار، لكنها حالة "الانفصال عن الواقع" التي تعكس الأمور وتقلب الحقائق.
"الانفصال عن الواقع" حالة شبيهة بحالة "التوحد" التي تصيب بعض الأطفال خلال السنوات الثلاث الأولى من أعمارهم، وتحول دون استيعاب عقولهم للمعلومات وكيفية معالجتها، وتؤدي إلى حدوث مشاكل لديهم في كيفية الاتصال بمن حولهم، واضطرابات في اكتساب مهارات التعليم السلوكي والاجتماعي.
لكن حالة "الانفصال عن الواقع" أكثر خطورة من حالة "التوحد"، لأنها تصيب الكبار وتحول دون استيعاب عقولهم لما يحدث حولهم، وتؤدي إلى حدوث اضطرابات لديهم في اكتساب مهارات الفهم.
وهنا مكمن الخطورة الفادحة التي يجب أن ندركها، كي لا ننفصل نحن أيضا عن الواقع ونصبح خارج إطار الزمن الذي لا تتوقف عجلته عن الدوران ولا ترجع إلى الوراء أبدا، مهما حاولنا كبح جماحها، للحد من اندفاعها، أو استنساخ الماضي الذي كان ذات يوم حاضرا.