استضافت دبي نهاية أكتوبر المنصرم وعلى مدى ثلاثة أيام منتدى الطاقة العالمي 2012، بحضور 2500 مندوب تتراوح مواقعهم بين رؤساء دول أو مسؤولين كبار فيها أو مدراء شركات ذات ثقل كبير في مجال الطاقة. ويأتي هذا المؤتمر في إطار تصاعد الاهتمام الدولي بفلسفة التنمية المستدامة، التي تشكل الطاقة حجر الزاوية فيها.
فالطاقة ليست وسيلة لإدامة الحياة المعاصرة فحسب، بل أساس مشاريع التنمية والتطوير، إذ يعتبر مقدار ما يستهلكه الفرد الواحد منها أحد المعايير التي يعتمدها البنك الدولي في تقييم مدى تقدم هذا البلد أو ذاك. ولعل من الجدير ذكره، أن هذا المنتدى يعقد للمرة الأولى خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك.
تكمن فلسفة التنمية المستدامة في حقيقة أن لكل الناس الحق في الحصول على ما يحتاجون إليه من موارد في معيشتهم، ولهم الحق كذلك في اتباع الوسائل المشروعة الموصلة إلى تحسين ورفع مستوى هذه المعيشة، في أطر لا تسمح بإضعاف فرص الأجيال القادمة في الحصول على الحقوق نفسها.
والحياة الأفضل تعني لمعظم الناس دخلا أعلى وقدرة على التمتع بما تتيحه المدنية المعاصرة من مباهج وخدمات، إلا أن ذلك ليس كل ما تعنيه التنمية المستدامة، فهناك أهداف أخرى مجتمعية على جيلنا الحالي توفيرها لمن يأتي بعدنا، وهي تتلخص في عدم إضعاف فرص هؤلاء في الحصول على التعليم وعلى الخدمات الصحية، وغير ذلك مما تتطلبه الحياة في عصرهم.
في هذا السياق ترسم الأرقام صورة حقيقية للحياة التي يعيشها الناس في مختلف دول العالم، فوفق التقرير الصادر عن البنك الدولي لعام 2011 حول استهلاك الطاقة للفرد الواحد سنويا، يبلغ معدل ما يستهلكه الفرد الواحد في العالم من الطاقة، ما يعادل 1633 كيلوغراما من النفط، في حين يبلغ معدل استهلاك الفرد الواحد في الولايات المتحدة ما يعادل 7225 كيلوغراما من النفط.
ويبلغ معدل ما يستهلكه الفرد الواحد في الهند ما يعادل 580 كيلوغراما من النفط. وتعتبر دول الخليج العربي من أكثر الدول استهلاكا للطاقة، وتقف الكويت على رأسها حيث يبلغ مقدار ما يستهلكه الفرد الكويتي الواحد ما يعادل 11500 كيلوغرام من النفط.
يمكن أن نتساءل في هذا السياق عن أهداف واستراتيجيات الدولة النامية، وعما إذا كانت تهدف للسير في طريق على غرار الطريق الذي أوصل الولايات المتحدة إلى ما وصلت إليه. ينبغي أن نتروى كثيرا في تقديم الدعم لاستراتيجيات كهذه، وذلك لأن طبيعة العصر قد تغيرت وأصبح الإنسان أكثر وعيا بأهمية الحفاظ على البيئة، وأكثر حكمة في التصرف بما يتوافر فيها من موارد طبيعية، وأكثر اهتماما بحقوق أجيال لم تولد بعد ولها الحق في هذه الموارد.
الولايات المتحدة مع أقل من 5% من سكان العالم، تستهلك 25% من طاقة العالم كل سنة، وتولد 15% من ثاني أكسيد الكبريت المسبب للمطر الحمضي، وتتسبب في انبعاثات 25% من الغازات التي تولد الاحتباس الحراري وتؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض وربما التغيرات المناخية. كما أن لدى العائلة الأميركية متوسطة الدخل، من التأثير السلبي على البيئة ما يعادل أربعين ضعفاً للتأثير البيئي السلبي للعائلة الهندية متوسطة الدخل.
إن استراتيجية الطاقة المستدامة ذات شقين؛ أولهما التهيؤ لمواجهة عصر ما بعد النفط وهو قد لا يتعدى نهاية القرن الحالي، وثانيهما وقف التردي الكبير في البيئة الذي سببه الاستخدام المفرط للنفط والغاز والفحم في إنتاج الطاقة الكهربائية، ولكل من هذين الهدفين أهميته الاستثنائية في حياة الأجيال القادمة.
إن تبني استراتيجية الطاقة المستدامة لا يعني أن أعباء تنفيذها تقع بالكامل على عاتق الدولة وحدها، على الرغم من أن الدولة تتحمل بكل تأكيد القسط الأكبر من ذلك، فخلق وعي وثقافة مجتمعية بذلك هو جوهر العملية كلها. الدولة تستطيع عبر تشريعات تصدرها، منع الهدر في الطاقة عن طريق تقنين الإضاءة غير الضرورية، وحجب التراخيص للمباني غير المتفقة مع مبادئ ترشيد الطاقة.
وزيادة رسوم الطاقة الكهربائية حين يتعدى الاستهلاك الحدود المعقولة، وذلك من منطلق أن الفرد له الحق في التصرف بأمواله في الأوجه التي يرتئيها، ولكن الطاقة من الموارد المجتمعية التي لا يحق لأحد إهدارها، ومن واجب الدولة تحقيق ذلك.
والحقيقة أنه على الرغم من كثرة المؤتمرات التي عقدت حول التنمية المستدامة والمؤتمرات الأخرى حول المخاطر التي تحيق بالبيئة، إلا أننا لا نجد أمامنا سوى القليل من المؤشرات حول الجدية في التعامل مع ذلك من قبل اللاعبين الكبار، الذين يُعتمد عليهم بالدرجة الأولى في تحويل فلسفة التنمية المستدامة من شعارات تطرح في المؤتمرات، إلى إجراءات واقعية تتخذ على أرض الواقع.
فالتحول نحو الطاقة المستدامة يجري ببطء شديد، مما يسمح بالمزيد من الهدر للموارد الطبيعية والمزيد من التدهور البيئي، ويجعل الحلول لهكذا مشكلات أكثر صعوبة وأكثر كلفة وأقل توافقاً مع طموحات المجتمع.
صحيح أننا نحن أول جيل يحصل على المعارف اللازمة وتتوافر لديه القدرات المالية والموارد البشرية والمعدات التقنية المتقدمة لجعل التنمية المستدامة أمرا ممكنا، إلا أن هناك عقبات كثيرة تقف في الطريق.
فإذا تجاهلنا دور شركات النفط ونفوذها السياسي الكبير في عرقلة ذلك، علينا أن لا ننسى أن هناك معوقات أخرى هامة، فالكسل وقوة الاعتياد على ما هو مألوف على المستويات السياسية والإدارية، مؤسسات وأفرادا، عوامل تلعب دورها في إعاقة وتأخير تغلغل فلسفة التنمية المستدامة إلى الثقافة المجتمعية.
فالتقاليد القديمة المعمول بها لا تزول بسهولة، والتغييرات الضرورية في القيم التي نشأ عليها الفرد والأساليب التي اعتادها في التعامل مع مفردات الحياة اليومية، لن تجد سبيلها لتصبح مؤثرة في الممارسات اليومية، ما لم تكن قد ترسخت لديه من خلال البرامج التربوية من جهة، وما لم تصاحبها خطط للتنوير بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية والابتعاد عن التفريط فيها على جميع المستويات، من جهة أخرى.