اقتصاد الجمهوريين المشكوك فيه

رغم انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية وظهور نتائجها، تظل الأسئلة قائمة حول ما سوف يفعله ميت رومني وبول رايان لو أنهما انتخبا، إذ نادراً ما كان يحدث في التاريخ الأميركي أن يتم حشد حملة لبطاقة انتخابات رئاسية، اعتماداً على مثل هذا البرنامج الأجوف.

إلا أن المثير للمفارقة، أنه لم يكن يمر يوم خلال الحملة الانتخابية، دون أن نسمع أن رومني أو رايان أو غيرهما من كبار المسؤولين من الحزب الجمهوري، يدعون أن الشركات لا توفر المزيد من الوظائف لأنها غير واثقة بشأن المستقبل.

ومصدر عدم اليقين هذا، كما يقولون، هو الرئيس الأميركي باراك أوباما، وخاصة قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة الذي يطلق عليه "أوباما كير" وقانون "دود- فرانك"، والشكوك المحيطة بخطة أوباما لزيادة الضرائب على الأثرياء.

قال رومني إنه إذا تم انتخابه فسوف يلغي قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة ويستبدله بشيء آخر، وتعهّد بأنه سوف يوفر التغطية الصحية للأشخاص الذين يعانون من المشكلات الطبية القائمة من قبل، لكنه لم يعط تلميحاً بشأن الطريقة التي سيحقق بها ذلك.

وشركات التأمين لن تدفع تكاليف التأمين الأكثر ارتفاعاً على هؤلاء الأشخاص ما لم تكن لديهم أموال إضافية، وهذا هو السبب الذي من أجله يتطلب قانون "أوباما كير" من الجميع، بمن فيهم الأصحاء من الشباب، شراء التأمين. إلا أن رومني لم يقل من أين ستأتي الأموال الإضافية لتمويل شركات التأمين، هل ستأتي من دافعي الضرائب؟ أم الشركات؟

فلنتحدث عن عدم اليقين.. تعهد رومني أيضاً بإلغاء قانون "دود- فرانك"، ولكنه هنا أيضاً لا يوضح ما سيحل محل هذا القانون، إلا أنه ما لم يتم تحديد نوع من التشريعات الجديدة بشأن وول ستريت فسوف نعود إلى حيث كنا قبل عام 2008، عندما تهاوت وول ستريت ودمرت معظم الأميركيين معها.

لم يطرح رومني دليلاً حول كيفية اقتراح الإشراف على أكبر البنوك، وأي نوع من متطلبات رأس المال تلك التي سيفرضها عليها، وما هي الآلية التي سوف يستخدمها لجعلها تجتاز حالة الإفلاس المنظم، الأمر الذي من شأنه ألا يخاطر ببقية الاقتصاد الأميركي.. وكل ما نحصل عليه هو علامة استفهام كبيرة.

عندما يتعلق الأمر بالطريقة التي سيدفع بها رومني ورايان التخفيضات الضريبية بقيمة 5 تريليونات دولار العملاقة التي يقترحانها، ومعظمها للأغنياء، فإنهما يأخذان عدم اليقين إلى مستوى جديد من الانبهار الصارخ، ويكون ردهما: "سوف نعمل بالتعاون مع الكونغرس"، ويقولان إنهما سيحدان من التخفيضات والاستقطاعات التي يمكن أن يتم استخدامها من قبل الأغنياء، لكنهما يرفضان أن يكونا محددين في هذا الصدد.

قبل عدة أسابيع، قال رومني إنه كان سيغطي إجمالي التخفيضات عند 17 ألف دولار في السنة، وبعد ذلك بأيام أصبح الرقم 25 ألف دولار.

وحتى موعد الاقتراع لم يحسم الأمر، ويقول: "اختر رقماً". فلا نخطئ عندما نعتقد أن تجار وول ستريت والرؤساء التنفيذيين للشركات فيها يدعمون رومني ورايان، ليس بسبب المستوى الجديد من اليقين الذي وعدا بتحقيقه، ولكن لأنهما وعدا بخفض ضرائبهم.

وفي الوقت نفسه، فإن العديد من حلفاء رومني ورايان الذين يهاجمون أوباما من أجل بث حالة من عدم اليقين، هم أنفسهم مسؤولون عن الكثير من ذلك. إنهم هم الذين عملوا على تأخير نظام "أوباما كير" وإضفاء الغموض عليه، وقانون "دود- فرانك" وأي مظهر من مظاهر الميزانية الفيدرالية.

يقول توماس دوناهيو، وهو رئيس غرفة التجارة الأميركية ومديرها التنفيذي، والتي حشدت عشرات الملايين من الدولارات لتوجيه دعاية تحمّل أوباما مسؤولية المشكلات الاقتصادية في أميركا: "حالة عدم اليقين المستمرة هي أكبر تهديد للأعمال التجارية الصغيرة وللانتعاش الاقتصادي في أميركا".

هذه هي الغرفة التجارية نفسها التي كانت تستخدم كل أداة ممكنة لإبطال اللوائح الصادرة عن قانوني "أوباما كير" و"دود ـ فرانك"، وبذلك يتم جعل هذين القانونين في طي النسيان لأطول وقت ممكن، حتى أن الغرفة ساعدت على جلب قانون "أوباما كير" أمام المحكمة العليا الأميركية، وقد بذل الجمهوريون في الكونغرس كل ما في وسعهم لإحباط أي اتفاق بشأن خفض العجز في الميزانية.

ونظراً لأنهم كرسوا أنفسهم مالياً لـ"غروفر نوركويست"، فلن يفكروا في تحصيل دولار واحد من الضرائب الجديدة.

ومع ذلك، فمن المستحيل تحقيق التوازن في الميزانية دون مزيج من التخفيضات في الإنفاق وزيادة الضرائب، إلا إذا تخلصنا من الإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية والمعونة الطبية، أو المؤسسة العسكرية.

ينتاب رجال الأعمال قلق مبرر بشأن ما يسمى بـ"انحدار مالي" في شهر يناير، يتطلب زيادات ضريبية مفاجئة وحادة وخفضا في الإنفاق، لكنهم ليس لديهم أحد يلقون عليه باللوم سوى الجمهوريين المؤيدين لقانون "نوركويست" في الكونغرس، بمن فيهم رايان، وجميعهم وافق على الانحدار المالي عندما لم يوافقوا على أي شيء آخر.

يواجه الأميركيون العاديون، عدم استقرار اقتصادي نابع من إمكانية وجود إدارة رومني-ريان، بشكل أكبر من أي وقت في حياتهم. فالاثنان لم يلقيا مستقبل قانون "أوباما كير" في دائرة الشك فحسب، ولكن الأميركيين ليست لديهم فكرة عما سيحدث لقوانين الرعاية الطبية والمعونة الطبية، والمعونة الجامعية، ومنح "بيل"، وطوابع الغذاء، والتأمين ضد البطالة، وغيرها من البرامج العديدة التي يعتمد عليها الأميركيون. جميعها يجب فحصها أو تمحيصها، لكن رومني ورايان لم يخبرانا بطريقة ذلك أو بمقداره.

يلقي رومني ورايان بظلال من عدم اليقين في جميع الاتجاهات، حتى في التعامل مع المهاجرين الشباب. فقد تعهد رومني بأنه في حال تم انتخابه، سوف ينهي مهلة أوباما لترحيل الشباب الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة بصورة غير مشروعة عندما كانوا أطفالاً.

ونتيجة لذلك، فإن بعض الشباب ممن تنطبق عليهم شروط الترحيل، سوف يحجمون عن الإدلاء بما لديهم من معلومات، خشية استخدامها ضدهم في وقت لاحق.

يواصل اقتصاديون محافظون، مثل جون تايلور من معهد هوفر، وهو أحد كبار المستشارين الاقتصاديين لرومني، إلقاء مسؤولية التعافي البطيء والبطالة المرتفعة على "السياسة الاقتصادية التي لا يمكن التنبؤ بها" للرئيس أوباما.

في الحقيقة، فإن رومني ورايان والحزب الجمهوري، هم الذين وضعوا علامات استفهام كبيرة حول مستقبل الاقتصاد وحول جميع الأميركيين. والسبيل الوحيد لجعل مستقبل أميركا مؤكداً بشكل أكبر، هو خسارتهما في يوم الانتخابات.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات