بدأ في الثاني من نوفمبر الجاري سريان الاتفاقية الموقعة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية، بخصوص التعاون في مجال تبني الأطفال، والتي تنص على ضرورة مرور الآباء المتبنين بتدريب خاص، وحصولهم على شهادة رسمية تثبت ذلك، كما تنص على تلقي الجانب الروسي تقارير دورية، حول أوضاع الأطفال الروس المتبنين من قبل أسر أميركية.
وكانت الحكومتان الأميركية والروسية بدأتا التفاوض بشأن الاتفاقية، لتعزيز الضمانات الإجرائية في عمليات التبني بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في إبريل 2010، ووقعت على الاتفاقية وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون ونظيرها الروسي سيرغي لافروف في 13 يوليو 2011 في واشنطن.
مشكلة تبني الأطفال في روسيا بدأت مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتدهور أحوال معيشة المواطنين الروس، الأمر الذي كان يضطر معه بعض الأسر الروسية إلى بيع أطفالها لأسر أجنبية مقابل بضعة آلاف من الدولارات، وكانت الأمور تتم بشكل سري عن طريق وسطاء وشركات أجنبية كانت تبث عملاءها في المدن الروسية، حيث إن التبني ليس ممنوعا داخل روسيا، لكن لا يوجد تشريع خاص بإعطاء الأطفال الروس للأجانب للتبني، الأمر الذي اعتبر معه البعض أن الأمر مسموح به.
ورغم هذا كانت عمليات إعطاء الأطفال للأجانب تتم بشكل سري، الأمر الذي أثار الكثير من الشكوك حول مصير هؤلاء الأطفال وأين يذهبون، وأثيرت أقاويل أن بعض الجهات تأخذ الأطفال تحت ستار التبني ثم تستخدمهم في أشياء أخرى، مثل تجارة أعضاء الجسم، ووصل الأمر أن بعض الأطفال تم بيعهم لأجانب بدون علم أهلهم الذين باعوهم لمواطنين روس، وهم لا يعلمون أن أبناءهم تم ترحيلهم خارج البلاد.
والذي فجر قضية تبني الأطفال بين روسيا والولايات المتحدة، هو انكشاف بعض الحوادث حول سوء معاملة بعض الأسر الأميركية للأطفال الروس الذين تبنوهم، وقد نشرت وسائل الإعلام الأميركية بعض هذه الحوادث.
وأكثر ما أثار الخارجية الروسية هو التعامل العنصري للقضاء الأميركي مع حوادث تعذيب الأطفال الروس بالتبني، إذ حكم القضاء على الزوجين كريفير بالسجن لمدة 16 شهرا فقط، بعد إثبات ضلوعهما في وفاة ابنهما بالتبني الروسي إيفان سكوروبوغاتو، بينما حكم القضاء الأميركي بعد هذه القضية بأيام قليلة، على الأميركية اليزابيتا إيسكالون بالسجن 99 عاما بسبب إساءة معاملتها لطفلتها الأميركية، رغم أن القانون الأمريكي لا يفرق بين الابن العادي والابن بالتبني.
ومن قضايا تعذيب الأطفال الروس بالتبني، كانت قضية الطفل دانييل بوخاروف في ولاية ألاسكا، الذي تعرض لمعاملة سيئة من قبل والدته بالتبني جيسيكا بيغلي، ولفترة طويلة.
وقد عرف العالم بسوء المعاملة التي تعرض لها دانييل، من خلال برنامج تلفزيوني عرضت الأم بيغلي فيه فيديو كانت قد صورته وهي تؤنب دانييل على عدم انصياعه لأمر المعلمة وتعاقبه على فعلته، وقد عرضت الشريط على الحضور في الاستوديو وهي تعتبر أن طريقتها في التربية صحيحة. وبدت على الشريط تطعم دانييل الصلصات الحارة، وبعد ذلك مباشرة تضعه في حمام من المياه المثلجة.
ورغم اعتراف الأم علنا بتعذيبها لابنها الروسي بالتبني، ورغم التحقيق الذي فتحته الشرطة معها، أعلنت الهيئة الاجتماعية لولاية ألاسكا أنه لا سوء في معاملة بيغلي، وبرأتها من علامات الاستفهام التي وضعت حول أسلوب تعاملها مع الطفل، الأمر الذي عكس عنصرية واضحة تجاه الأطفال الروس بالتحديد، من قبل بعض الجهات التحكيمية في الولايات المتحدة.
وهناك حوادث أكثر مأساوية في مجال تبني الأطفال الروس في الولايات المتحدة، إذ أشارت تقارير إلى أن 16 طفلا روسيا توفوا من سوء معاملة الوالدين خلال 17 عاما من ممارسة التبني. وخلال الـ20 عاما الماضية تم تبني 60 ألف طفل روسي كانوا دون وصاية الأهل، مع الإشارة إلى أن أغلبية هؤلاء الأطفال تبنتهم أسر أميركية.
الغريب في الأمر أن تبني عائلات أجنبية للأطفال الروس، يأتي في الوقت الذي تعاني فيه روسيا من مشكلة ديمغرافية خطيرة، حيث يتناقص عدد سكانها سنويا بنسب تنذر بالخطر في المستقبل، الأمر الذي استدعى من الرئيس بوتين إصدار قرار بمنح مكافأة مالية للأسر التي تنجب أكثر من طفل واحد، لكن هذا لم يمنع بعض العائلات الروسية من بيع أطفالهم للأجانب للتبني، خاصة وأنه لا يوجد قانون في روسيا يمنع ذلك.
في الوقت الحالي تجري 80% من عمليات التبني عن طريق منظمات معتمدة، متخصصة في هذا المجال وتملك التراخيص اللازمة، ولكن هذا لم يمنع من إجراء الكثير من عمليات التبني بشكل سري دون أي متابعة أو رقابة عليها، وهي العمليات التي تحوم حولها الشبهات وحول الهدف من أخذ الأطفال الروس للولايات المتحدة، هل هو للتبني أم لأشياء أخرى؟