حين ينشر هذا المقال، تكون الصورة قد اتضحت بخصوص الفائز بمنصب الرئاسة الأميركية. لكن أيًّا كان الفائز، فإن ما جرى في تلك الانتخابات، كشف عن حقيقة لا يعرفها الكثيرون، وهي أن عددا محدودا للغاية من الناخبين الأميركيين، وليس أغلبيتهم، هو الذي يحدد الفائز في انتخابات الرئاسة. وهذا العدد المحدود يتحدد أصحابه في كل مرة، بناء على الولاية التي يقطنونها.
فرغم كل ما قيل طوال الحملة عن الهامش الضئيل بين رومني وأوباما، إلا أن الأغلبية الساحقة من الولايات كانت محسومة بالكامل، إما لرومني وإما لأوباما. فولايات مثل كاليفورنيا ونيوجيرسي ونيويورك، كانت محسومة منذ البداية لصالح أوباما، بينما ولايات مثل تكساس وألاباما وأركنساس، كانت منذ اللحظة الأولى في خانة رومني، في حين اقتصرت المعركة على تسع ولايات فقط، إن لم يكن أقل، شهدت منافسة شرسة بين المرشحين.
لكن المنافسة في عدد محدود من الولايات، تعني في ظل النظام الانتخابي المتبع، أن من يحسم المعركة هو عدد محدود للغاية من الناخبين. فرغم أن الدستور الأميركي يبدأ بعبارة "نحن الشعب"، إلا أنه صمم لاختيار الرئيس نظام المجمع الانتخابي، الذي لا يمكن أن يكون إلا "نحن الولايات"! والمجمع الانتخابي عبارة عن مجموعة من "المنتخبين"، أو نقاط إذا شئت، موزعة على الولايات. فلكل ولاية عدد من "المنتخبين" أو النقاط، يساوي عدد أعضائها في مجلسي النواب والشيوخ معا. والولايات ممثلة بالتساوي في مجلس الشيوخ بواقع مقعدين لكل ولاية من الولايات الخمسين، بينما يختلف تمثيل الولاية في مجلس النواب بحسب عدد سكانها.
معنى ذلك أن حصة الولايات في المجمع الانتخابي ليست واحدة، فولاية كبيرة من حيث عدد السكان، مثل كاليفورنيا لها 55 صوتا، لأنها تملك مقعدين في مجلس الشيوخ ولكنها تملك 53 مقعدا في مجلس النواب. أما ولاية ضئيلة السكان مثل وايومنغ، فلها ثلاثة أصوات أو نقاط فقط في المجمع الانتخابي، لأنها تملك مقعدا واحدا في مجلس النواب ومقعدين في الشيوخ.
واختيار الرئيس الأميركي يتم عبر مرحلتين، الأولى هي تصويت الناخبين، أي التصويت الشعبي، والثانية هي "التصويت الانتخابي"، أي ترجمة ذلك التصويت الشعبي إلى حصص الولايات في المجمع الانتخابي. فالمرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من أصوات الناخبين في الولاية يفوز بكل أصواتها في المجمع الانتخابي، بينما لا يحصل منافسه على شيء على الإطلاق.
ولا يشترط أن تكون النسبة الأعلى هذه أغلبية، فمن الممكن أن يحصل المرشح على 42٪ مثلا من أصوات الناخبين فيكون الفائز، طالما أن أيّا من منافسيه لم يحصل على نسبة أعلى من ذلك.
لذلك، فإن الفائز بالرئاسة لا يكون بالضرورة هو الذي حصل على أغلبية أصوات الناخبين الأميركيين، لأن المعيار الحاكم هو ما حصل عليه في المجمع الانتخابي ولاية بولاية.
فالذي حصل على 42٪ من أصوات ناخبى كاليفورنيا يفوز بخمسة وخمسين نقطة في المجمع الانتخابي، بينما منافسه الذي حصل على 41٪ لا يحصل على شيء مطلقا، أى يتم إهدار ملايين الأصوات التي لا تترجم إلى شيء في المجمع الانتخابي الذي يحسم المعركة.
بعبارة أخرى، فإن الذي ينتخب الرئيس هو الولايات لا المواطنون، إذ تتوقف أهمية صوت الناخب وقيمته على حجم الولاية التي أدلى فيها بصوته، وعلى عدد الناخبين الذين صوتوا معه لصالح نفس المرشح في الولاية.
ومن هنا، فإن اقتصار المعركة الانتخابية على 9 ولايات بينما باقى الولايات محسومة مسبقا، كما يجري في أغلب الانتخابات، معناه أن عددا محدودا للغاية من ناخبي تلك الولايات التسع يحسم المعركة.
فإذا فاز أحد المرشحين مثلا في ولاية مثل فلوريدا بواقع 2٪ فقط من أصوات الناخبين، فإن أولئك الاثنين في المائة من الناخبين هم الذين يعطون لذلك المرشح 27 نقطة في قفزة واحدة، هي أصوات الولاية في بالمجمع الانتخابي. ويحدث هذا حتى لو كان هذا المرشح قد حصل على 40٪ فقط من الأصوات الشعبية، لا أغلبيتها!
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا يتعلق بمدى ديمقراطية هذا النظام الانتخابي.. والإجابة واضحة في تقديري، فالولايات المتحدة هي بلد الحريات، أما الديمقراطية الأميركية فهي محاطة بالكثير من التحفظات.
والحقيقة أن هذا النظام المعقد لانتخاب الرئيس، كان متعمدا عند كتابة الدستور الأميركي. فهو دستور محافظ بامتياز، لأنه يعبر عن جوهر فكر المحافظين في ما يتعلق بالإرادة الشعبية.
فالقائمون على كتابة الدستور اتخذوا منذ البداية موقف الذي لا يثق في قدره عامة الشعب على اتخاذ قرارات سليمة، وكانوا على قناعة بأن عموم الناس ليسوا بالضرورة قادرين على إدراك الأفضل لمصالحهم. وهم خشوا من سيطرة مشاعر لحظية على هؤلاء العامة، تؤدي إلى ما أطلقوا عليه "حكم الرعاع".
ومن ثم كان من الضروري عندهم كبح جماح المشاعر الشعبية، عبر خلق نظام يعطي الجماهير الحق في التعبير عن نفسها، ولكنه يضع تلك الإرادة الشعبية دوما تحت السيطرة من جانب نخبة أكثر حكمة وقدرة على اتخاذ قرارات أفضل. ومن هنا كان اختراع المجمع الانتخابي، الذي هو في جوهره انتخابات غير مباشرة.
المفارقة الجديرة بالاهتمام، أن هناك دعوات كثيرة طوال الوقت من جانب حقوقيين ومثقفين ليبراليين أميركيين، لتعديل الدستور لإلغاء المجمع الانتخابي. لكن المجمع الانتخابي صمد لأكثر من مائتي عام، مرة أخرى بسبب "نحن الولايات".
فالولايات الكبيرة لا تريد إلغاءه لأنه يعطيها قوة كبيرة في حسم معركة الرئاسة، بينما الولايات الصغيرة تعرف أن صوت المواطن فيها أكثر أهمية في حسم النتيجة بالمقارنة بصوته في الولايات الكبيرة.
بعبارة أخرى، "نحن الولايات" لنا مصلحة في بقاء ذلك النظام الذي يهدر أصوات "نحن الشعب"!