الخيار الأكثر وضوحاً قبيل الانتخابات الأميركية

فيما اتسمت الأيام الأخيرة من حملة الرئاسة الأميركية بالكآبة، حيث تم تجاهل قضايا كثيرة أو أنها استعصت على الحل، وتريد وسائل الإعلام تريد الحديث فقط عمن تقدم أو تراجع، فإن أكبر قضية تتعلق بما قدمه لنا المرشحان بشأن أكثر الخيارات وضوحاً، هي ما إذا كان على الأغنياء أن يدفعوا المزيد من الضرائب. يقول الرئيس الأميركي باراك أوباما؛ نعم بالتأكيد. فهو يقترح إنهاء تخفيضات الضرائب المعتمدة منذ عهد الرئيس الأميركي السابق بوش، بالنسبة للأشخاص الذين يحصلون على أكثر من 250 ألف دولار في السنة، ويطلب أن يدفع الأشخاص ذوو الدخل المرتفع ضرائب لا تقل عن 30٪ من أي دخل أكثر من مليون دولار (أو ما يسمى "قاعدة بافيت").

أما المرشح الجمهوري ميت رومني فيقول؛ لا بشكل قاطع. وهو يقترح خفض الضرائب بنسبة 20٪، والذي من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من تخفيضات الضرائب على الأغنياء أكثر من أي شخص آخر. يريد أيضا تمديد فترة سريان التخفيضات الضريبية للأثرياء من عهد بوش، وخفض الضرائب على أرباح الأسهم والأرباح الرأسمالية أو إلغاءها.

يقول رومني إنه سوف يسد الثغرات وينهي الخصومات التي يستخدمها الأغنياء، بحيث تظل حصتهم من إجمالي الضرائب بالمعدل نفسه الذي هي عليه الآن، رغم أنه يرفض تحديد ماهية الثغرات أو الخصومات. ولكن حتى لو أخذنا بكلامه، فلن يزيد مقدار الضرائب التي يدفعونها بأي حال من الأحوال.

أوباما على حق؛ أميركا تواجه عجزاً هائلاً في الميزانية، والجميع تقريباً ممن درس كيفية خفضها، وتقريباً جميع الاقتصاديين والمحللين المستقلين، توصلوا إلى توليفة من خفض الإنفاق وزيادة الضرائب التي من شأنها زيادة الإيرادات. ودعا تنفيذيون لأكثر من ثمانين شركة أميركية كبيرة، إلى إصلاح ضريبي "يزيد الإيرادات ويقلل العجز".

والسؤال العملي هو؛ من الذي يدفع لتلك الإيرادات الإضافية؟ فلو أن وجهة نظر رومني سادت ولم يدفع الأغنياء أكثر من ذلك، فإن الجميع سوف يتعين عليهم الدفع. وهذا هراء، فالأغنياء أكثر ثراء بكثير مما كانوا عليه، في حين أن معظم الباقين يزدادون فقراً. يظهر أحدث البيانات أن أعلى 1٪ من الأميركيين دخلاً، يحصلون على 93٪ من مكاسب الانتعاش حتى الآن، ولكن متوسط دخل الأسرة أقل بنسبة 8٪ عما كان عليه في عام 2000، مع احتساب نسبة التضخم.

فالفجوة آخذة في الاتساع على مدى ثلاثة عقود. ومنذ عام 1980 ضاعفت فئة أعلى 1٪ حصتها من الدخل الإجمالي للبلاد، من 10٪ إلى 20٪، وتضاعفت حصة العُشر من فئة أعلى 1٪، بمقدار ثلاثة أضعاف. وزادت حصة واحد على مئة من فئة الأعلى 1٪، وهم 16 ألف أسرة، بمقدار أربعة أضعاف. ويمتلك أغنى 400 أميركي الآن المزيد من الثروة، مقارنة بما يمتلكه أقل 150 مليون أميركي.

وفي الوقت نفسه، انخفضت معدلات الضرائب التي يدفعها الأغنياء انخفاضاً حاداً. وقبل عام 1981 لم يكن أعلى معدل هامشي للضريبة أقل من 70٪. وفي عهد الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور، كان المعدل 93٪. وحتى بعد أخذ جميع الخصومات والإعفاءات الضريبية المتاحة لهم، كان الأغنياء يدفعون نحو 54٪، بينما يبلغ معدل أعلى ضريبة الآن 35٪ فقط، وتصل الضريبة على مكاسب رأس المال (وهي الزيادات في قيمة الاستثمارات) 15٪ فقط. وبما أن الكثير مما يكسبونه هو من مكاسب رأس المال، فإن العديد من فاحشي الثراء مثل ميت رومني نفسه، يدفعون 14٪ أو أقل. وهذا معدل ضرائب أقل مما يدفعه العديد من الأميركيين من الطبقة المتوسطة.

في الحقيقة، إذا أضفنا جميع الضرائب المدفوعة، ليس فقط على مكاسب الدخل ورأس المال ولكن أيضا الضرائب على الرواتب (والتي لا ينطبق عليها بند الدخل فوق 110 آلاف و100 دولار) وضرائب المبيعات، فإن معظمنا يدفع أعلى معدل من دخلنا في شكل ضرائب من فئة الأعلى دخلاً.

إذن، كيف يمكن لأي شخص أن يعارض زيادة الضرائب على الأغنياء؟ الأمر سهل، فهم يقولون إن ذلك سوف يعمل على تباطؤ الاقتصاد، لأن الأغنياء هم "مصدر الوظائف". وبالكلمات الخالدة من جو بايدن، فإن هذه حماقة.

لقد كان أداء الاقتصاد على ما يرام فحسب خلال العقود الثلاثة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما لم ينخفض أعلى معدل الضريبة دون الـ70٪. وكان متوسط النمو الاقتصادي السنوي أعلى في تلك السنوات مما كان عليه منذ ذلك الحين، عندما كانت الضرائب على الأغنياء أقل بكثير.

لقد زاد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون الضرائب على الأغنياء، وكان أداء الاقتصاد جيداً بشكل مدهش، وقام الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش بخفضها وتباطأ الاقتصاد. إن المصادر الحقيقية للوظائف هي الطبقة المتوسطة الواسعة، التي يشجع إنفاقها الشركات على التوسع والتوظيف، والتي يؤدي عدم إنفاق أبنائها إلى أثر عكسي.

ولهذا السبب كان الانتعاش بطيئاً بشكل مؤلم، فقد ذهب الكثير من الدخل والثروة إلى فئة الأكثر ثراء، لدرجة أن الغالبية العظمى من الأميركيين في الطبقة المتوسطة ليست لديهم القوة الشرائية لتحريك عجلة الاقتصاد مرة أخرى. والأغنياء يدخرون معظم ما يكسبونه، وتذهب مدخراتهم إلى أي مكان على امتداد العالم، حيث يمكنهم الحصول على أعلى عائد.

إن المنطق والإنصاف والفطرة السليمة، تفرض أن يدفع الأغنياء المزيد من الضرائب.. إنه لأمر جوهري لتجنب الهاوية المالية في يناير، وأمر حيوي لإعادة الاقتصاد إلى مساره مجدداً.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات